جميل لأنه بعيد، ومنير لأن كل ما حوله مظلم، آيته ليل أسود حالك.. ونجوم بعيدة نورها خجول.. لا تضاهيه بياضاً، فيبقى هو السيد في ظلام الليالي، ترى هل سيبقى وجوده مبهراً إن تعددت الأقمار؟ هل سيظل مدهشاً إن كان بدراً طوال الشهر؟ الاقتراب من وجه القمر ليس مدهشا! وضعه تحت عدسة مكبرة فكرة غير مسلية، تخدش جمال القمر الذي تغنت به الأشعار.. والبدر الذي تماهى بوجه المحبوبة ونافسها نوراً وبهاءً..
فالتضاريس تجعله مكاناً مألوفاً لبني البشر، مرتفعات ومنخفضات، تباين درجات الأبيض يوحي بالاختلاف.. بالطبقية، هل في القمر قصور للأغنياء وأكواخ للفقراء؟ هل هناك حدائق غنّاء وساحات خلفية؟ هل لانعدام الجاذبية أثر على تصنيف بني البشر؟ يبدو النحفاء هم الأغنياء على سطح القمر.. والأسهل تنقلاً، فلا ازدحام يمكن أن يحول بينهم وبين مقصدهم، لعل السباحة في الفضاء أهم استثمار لسكان القمر المقبلين..
هناك أيضاً لا حاجة للمواصلات العامة، ولا الانتظار في طابور التاكسي، ضوضاء الشارع وضجيج آلات البناء يسقط في دوامة الجاذبية.. ويذوب في ترددات الفضاء.
قمري.. يُرسل ضوءه من خلف الستائر بعد انطفاء الأنوار الكهربائية.. يُعيد صياغة مفهوم الإضاءة الفطرية التي بعُدت مع غزو تلك الأجهزة اللماعة، الحمراء والخضراء والصفراء، يفرض حضوره ولا يزعج النعاس كما تفعل (الأبجورة)، يكشف سطح المخدة وتفاصيل الحلم.. يشبه نوره المتسلل لغرفة النوم هدهدة الأم لطفلها، وقربه يوحي بليل هانئ طويل، ونوم يملأ الأجفان. تخيل أنك تحلم على ضوء القمر الذي اخترق ظُلمة صنعتها لتُهيأ الراحة بعد يوم طويل وتعب متراكم. حينها لا بد من حركة متطفلة لأقرب مساحة بيضاء.. وحرف إلكتروني ينزلق على البياض راصداً تفاصيل القمر بعدسة متأملة تُغالب النعاس.
امل الفلاسي
