تجربة مريم لا تمر على الأسماع من دون همس بندرة تفانيها، وتفرد حبها الذي منحته جميع من عاش معها، أو صادفها في مختلف مراحل حياتها. المحيطون بها يعتبرونها استثناءً لم يلتق حظه بعد في الدنيا، وتمردت على المثل القائل «فاقد الشيء لا يُعطيه»، تبدأ تراكمات التجربة بعد حياة بدأتها في عائلة تضُم والدين وأختاً، وكدأب سائر عائلات هذا المجتمع، تربت مريم تربية تقليدية قائمة على مبادئ الثقافة الإسلامية، ولكنها حُرمت الالتحاق بصفوف الدراسة النظامية، واكتفت بما تيسر من حفظ سور القرآن في مجلس المطوعة.. ولم يتبق منها في الذاكرة سوى القليل.

كبرت مريم وشهدت تحولات الحياة في الوطن، والخير الذي عمّه بعد قيام الاتحاد. شرعت في خدمة والديها.. برعت في الطبخ والأعمال المنزلية والخياطة، وحظيت باحترام وحب الجميع. كانت مضرباً للأمثال في التفاني والإيثار، وكلما تقدمت في العمر اتضحت ملامح التضحية، وازدادت وضوحاً في سلوكها وتصرفاتها التي تمنح العائلة والآخرين أولويةً على الذات.

أغمض الزمن عينيه على مريم في كنف والدتها، ولا تزال تمارس روتين العمل المنزلي والعائلي، تزوجت شقيقتها الكُبرى وأنجبت البنات والبنين، وبدأت مريم فصلاً جديداً في الإيثار الأسري، انجرفت وراء إحساس أكثر عمقاً بالمسؤولية الجماعية، ولم تدّخر جُهداً في رعاية أبناء أختها، الذين كبروا ومازالوا يحفظون جميل الخالة والأم.

بين مريم وأبناء أختها لا مكان للعتب أو الغضب، فكانت أماً حنوناً، ومربيةً تبث الأخلاق الحسنة وأختاً تُشاركهم الأفراح والهموم، وفيصلاً عندما يختلفون ويُخفقون، وفي الوقت ذاته ابنةً بارةً بوالدتها، بعد رحيل والدها الذي ضاعف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.

تجربة مريم تتجلى في زواجها وقد بلغت الأربعين، من أرمل كبُر أبناؤه وتزوجوا، فأصبح حرياً به أن يتزوج رغبةً في شريكة تؤنس وحدته ويعيش معها ما بقي من خريف العمر.

امتدت ظلال أمومة مريم لتشمل العائلة الجديدة التي انتقلت لتضيئها، وتحترق بنارها، أُحيطت مريم بأحفاد زوجها الصغار، وانجرفت بحنانها لتربيهم، وتعاون أمهاتهم على تنشئتهم في كنف العائلة الكبيرة، ولعبت دور الزوجة والأم والجدة. كبُر أحفاد زوج مريم وشاطروا مريم الحب وبادلوها الوفاء، وأصبحت «خالو» مريم أماً ثانية في منزل الجد الكبير.

تقتحم مريم عالم العائلة الجديدة، وتتفرع أغصانها لتصل إلى المحيطين من عائلة زوجها وإخوته وبناتهم، فتُصبح صديقة البنات وأختهم وخالتهم، بعد أن كسبت محبتهم وظللتهم بوارف حنانها.

لم تُرزق مريم بأبناء من زواج متأخر، ولم ينل ذلك من حنانها، بل أصبحت أكثر حباً وتآلفاً مع الكبار والصغار، وبعد مرور سنوات عشر على الزواج، تسللت الخلافات العائلية إلى عش الزوجية عبر شك وغيرة واتهامات باطلة من الزوج، وعصفت برصيد مريم من عمر أمضته برفقة العائلة التي ملأت حياتها وشغلتها، صممت على الاحتفاظ بهدوئها والتعامل مع العاصفة بحكمة، انحنت أمام سيل الإهانات والاتهامات رغبةً في نجاة السفينة، ولكن بلا جدوى.

كان الطلاق ردا أجبرت على سماعه مريم من دون حق لها بالكلام! وعادت أدراجها إلى منزل العائلة، مستمرة بلعب دور الخالة والأم.