راشد عبيد آل علي التقيته في محراب تأمله، كان صامتا ومستغرقا خارج الزمن قبل أن القي عليه التحية فيعود بتحية حارة ورائقة وكريمة كعهد سكان القرى التي لم تزل تحتفظ بنكهتها الأزلية. هو عضو مجلس إدارة جمعية ابن ماجد للتراث برأس الخيمة. وجد السؤال عن تجربته استجابة يسيرة، وقد ظل على هيئته وكأنه يواصل حديثا قد بدء في نفسه قبل طرح السؤال.

وقال ان أهم تجربة عندي هي تجربة السفر والاغتراب عن الأهل لأشهر طويلة وأحيانا سنوات، وذلك بحثا عن الرزق، لكن كيف كان السفر، ونحن تحت الإدارة البريطانية؟ هنا تكمن المعاناة ومخاض التجربة. لا أخفيك أننا في الواقع كنا نسافر تهريبا، وكنا نقطع مسافات مضنية عن طريق البحر، حتى أننا كنا نبتعد لخارج نطاق الإمارات في ذلك الوقت ولم تكن الدولة قد نشأت بعد حينها. كنا نسافر مجموعات وكان كل منا وحظه في إيجاد عمل ومكان تلك الفرصة يحدد إقامته. بعضنا كان يجد نفسه في البحرين وآخر في السعودية وغيرنا في الكويت. لم تكن المعاناة في السفر بحد ذاته، لكن تكرارها هو الصعب.

كنا نعاني من ضيق ذات اليد، ونرعى أولادا وزوجات وآباء وأمهات، في ظل إمكانيات محدودة ان لم تكن معدومة، لكننا كنا نتمتع بكم هائل من التحدي والصبر. وقد كانت أسفارنا مشبوبة بالمخاطر، لكن نداء الواجب وحاجات الأهل كانا أقوى من الخوف، كانا يشحنانا بالرغبة في الانطلاق لأبعد مدى فهذا هو عمل الرجال، لم نكن نستكين للبطالة بل نبحث عن الرزق في كل مكان مهما كان بعيدا.

وقد تكررت محاولات سفري خمس أو ست مرات، وكان حظ العمل بالنسبة لي في أكثر من محطة إن جاز القول فعملت في البحرين ثم في شركة ارامكو في السعودية، وقد قمت بأعمال كثيرة، لم أكن أتردد في قبول أي عمل، من الحدادة إلى الحفر إلى اللحام، كل شيء. فالحياة كانت صعبة ولا مجال للتخير، نقبل بكل ما هو متاح من أعمال مهما كانت صعبة أو بسيطة، المهم أنها باب رزق حلال وتؤمن دخلا نعيل به أسرنا.

لا أنكر التعب والعذاب الذي كنا نلاقيه في هذه التجارب والأسفار المضنية، وهي بالمناسبة ليست تجربة فردية إنما شاركني آخرون، فجميعنا كنا تحت وطأة البحث عن عمل، في ظل فرص مقننة، فكنا لا نجد مخرجا إلا بما قمنا به.

كنا نعود إلى ديارنا بعد أشهر طويلة أو بعد سنوات ونحن منهكين محزونين مشتاقين لأهالينا. ونحن في طريق العودة كنا نفكر تدبير مخرج آمن قبل أن ندخل أرض الوطن، وحتى قبل أن نطمئن على دخولنا بأمان. مما كان يصعب الرحلة والتجربة في ذلك الوقت هو عدم توفر وسائل اتصال، يمكننا بها معرفة ما يدور حولنا ومعرفة أحوال الأهل والبلد، وكان ذلك متروكا للظروف إن صادف والتقينا بأحد القادمين من البلد لكن وإن طمئننا ذلك على أوضاع البلد بشكل عام فلا يطمئننا على عائلاتنا.

نعم كانت عذاباتنا متكررة، وفي إحدى مرات العودة من السعودية، قضينا أشهرا في عرض البحر، وكنا منقطعين عن الحياة تقريبا، لم نشعر بجديد أو غريب وكنا مبحرين وهواجسنا تبحر في كيفية الوصول بأمان ومن ثم الخروج بعد الاكتفاء من البقاء مع الأهل. كانت محطة وصولنا أبوظبي، وما كدنا نصل حتى استقبلتنا المفاجأة بأن تغيرات حصلت، وأن الحاكم هو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وبذلك كان آخر عهدي بالسفر والترحال، ودخلنا بأمن وأمان ثم بعد فترة وجيزة تأسس الاتحاد وعم الخير الجميع، وتحقق الاستقرار ولم نعد نفكر في مغامرات السفر وراء العمل.