لتساقط الأمطار في الثقافة المحلية أثر لا يزال رطباً في حكايات الأهالي، والفرحة التي تبدأ بتزاحم الغيوم في صفاء السماء تستحضر لوناً وطعماً ورائحة لا تبرح الذاكرة. يُستقبل الشتاء الماطر بأهازيج وقصائد تُكرس مواسم الخير التي يجلبها المطر، وأثره على الإنسان والأرض.
تبدأ فصول الحكاية بعد اعتدال الجو ودخول الشتاء، وهبوب بارد نسماته، وتشكل الغيوم الداكنة المحفزة لغيث غزير، غياب قرص الشمس وانحسار أشعتها وراء الغيوم وامتلاء السماء بالداكن منها مصطحباً الهواء البارد طقسُ يُسمى في اللهجة المحلية «الخومة». والخومة طقس يُحفز بوادر الفرح، والاحتفاء بقدوم المطر دافع لتحضير الموائد الشهية، وقد اعتاد الأهالي على استقبال الجو الماطر والبارد بطهي «المجبوس»، أو كما يُسمى في بعض المناطق «الفوقة»، وتحضير المجبوس عادة توحد في طهيها أهل البحر بمجبوس المالح، وسكان البر بمجبوس اللحم.
ارتباط تلك الوجبة بالجو الغائم «الخومة» له صلة مباشرة بمزاياها، فغناها بالسعرات الحرارية يبعث على الدفء في جو بارد، وإضافة البهارات والفلفل للمجبوس يجعله طبقاً موسمياً بامتياز، بحيث أصبع مذاقه ذاكرة تتكرر في كل شتاء.
طعم المجبوس يستحضر رائحة المطر على رمل مبلل بغزير المطر، والظلمة التي ترخي بها على الأجواء سبب كاف للارتحال إلى أقرب بر وممارسة عادات الفرح، وتناول طبق تم طهيه قرباناً لموسم طال انتظاره.
تزدحم وقتها البراري بالمرتحلين احتفاءً بالغيث، والمطر في اللهجة المحلية كالحب، له علامات ودرجات متفاوتة الشدة، فيبدأ بالنفاف، وهي القطرات الخفيفة التي تبلل الأسطح والنباتات وعادةً ما يستبشر الأهالي باعتباره بداية لهطول مستمر، ثم يأتي المطر أو الغيث، والغيث لفظ محبب للقلوب وشائع الاستخدام، باعتبار المطر إغاثةً من الله، تستفيد منها الأرض وتجري بعده الأودية، وتكثر الخيرات، وتُسمى أقصى درجات تساقط المطر الحَلبة، وهو التساقط القوي الذي يصاحبه البرق والرعد.
وعلى الرغم من الضرر الذي يُلحقه المطر بمنازل الأهالي قديماً، إلا أنه كان موسماً للاحتفاء والفرح، وجرت العادة أن يتم وضع القدور المعدنية في الأفنية، لتمتلئ بماء المطر الصافي، ويُستخدم في تحضير الشاي والقهوة، تبركاً به واستبشاراً بماء جادت به السماء، ورغبةً في تصفيته من الشوائب، ربط الأهالي قطعاً من الأقمشة على الأوعية والصواني حتى تعبر المياه عبر فتحاتها وتعزل الشوائب والأتربة التي تختلط بها أثناء تساقطها.
وللغيث علامات تنبئ بسقوطه كتجمع الغيوم الداكنة، وهبوب رياح المزر، وهي رياح قوية تجتمع بهبوبها السحب وتهب من اتجاه لآخر بسرعة 20 ـ 40 عقدة ، وعادةً ما يصحبها سقوط المطر، وتهدأ بعد فترة تمتد لبضع ساعات.
وللغيث أهازيج وقصائد، تغازله وتدعوه للبقاء مطولاً، لما يشيعه من أجواء فرح يلفظها على أرض تجود بخيرات، فيصدح صوت الصغار «طاح المطر برعوده.. كسر حوي سعود.. طاح المطر بيد الله.. كسر حوي عبدالله».. وأغنية أخرى « صب يا مطر صب.. بيتنا يديد وبابنا حديد»..
كما يقول المثل الشعبي «زيده.. وارحم عبيده».. في دعاء لاستمرار الغيث لما يحمله من رحمةً وخير. وتنمو النباتات الموسمية إذا سقطت أمطار الوسمي، في المربعانية الموافقة لأوائل الشتاء، ومنها الحميض والفقع، وتحديداً في البراري التي تحظى بنصيب الأسد من الأمطار، مثل بر رأس الخيمة وبر أم القيوين، وتُشد الرحال إلى الرمال المخضرة في رحلة عشق مع المطر وذكرى يرتشف حلاوتها الأهالي على مدار العام.
أمل الفلاسي
