مدينة البندقية.. فينيسيا.. درة البحر الإدرياتيكي التي تتألق فوق 118 جزيرة، تخوض سباقا محتدما مع الزمن والبحر لاستكمال مشروع إنقاذها من الغرق الذي أطلقته الحكومة الإيطالية عام 2003 تحت الاسم الرمزي الدال «موسى». ولا أحد يعرف على وجه الدقة متى سينتهي هذا المشروع العملاق الذي يعد الأضخم من نوعه في أوروبا. ويتوقع أن تتجاوز تكلفته الكلية مبلغ المليارين ونصف المليون جنيه إسترليني الذي كان محددا له أصلا.
وتتراوح التقديرات بين الانتهاء من المشروع العام المقبل أو عام2011 أو عام 2014 ،ولكنه في كل الأحوال يظل مشروعا طموحا وهائلا بكل المعايير، حيث يقوم على إنشاء78 حاجزا مائيا متحركا تحت الماء يزن كل حاجز منها 300 طن. وستظل هذه الحواجز تحت الماء في قاع البحر.
ولكن مع ارتفاع منسوب المياه إلى ما يزيد على متر وعشرة سنتيمترات فوق مستوى سطح البحر، فإن هذه الحواجز سترتفع تلقائيا وتأخذ شكل السدود العملاقة لمنع تدفق المياه إلى المدينة . وقد بلغ من اهتمام الحكومة الإيطالية بهذا المشروع حد أن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني افتتح المشروع بنفسه وألقى كلمة وصفه فيها بأنه «أهم مشروع للحماية البيئية في العالم».
والواقع أن أبعاد المشروع تبرر حالة الترقب والانتظار التي تسود صفوف دوائر عديدة في المدينة الإيطالية، خاصة وانه ليس معروفا متى سينتهي المشروع على وجه الدقة. ويشير الخبراء في هذا الصدد إلى أن المدينة العائمة، وهو اللقب الذي يطلق تقليديا على البندقية، تحتضر بكل معنى من المعاني. فقد انخفض عدد سكانها من 130 نسمة عام 1975 ليصل إلى 60 ألفا حاليا. ويرجع جانب كبير من هذا الانحسار إلى الدور الذي لعبته الفيضانات، وكذلك الصعوبات التي يواجهها الشباب في الاستقرار في المدينة وهو ما يجعل معظم سكانها من كبار السن.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن أكثر أجزاء المدينة انخفاضا لا يعلو عن سطح البحر إلا بحوالي نصف متر فقط، الأمر الذي يعرض معظم البيوت والمتاجر لخطر تدفق المياه إلى داخلها وإغراقها أو إتلاف محتوياتها. والمدهش حقا أن هناك شرائح من سكان المدينة لا تتردد في الإعراب عن ترحيبها بالوضع الراهن في المدينة العائمة.
حيث يشعرهم بقدر كبير من التميز بالمقارنة بأي مدينة أخرى في العالم، وفي هذا الصدد، تقول أنا بياتشي التي تدير مطعما في منطقة سان بياتشي القديمة «أنا أعشق الوضع الراهن الذي يشعرني بأن المدينة تتخطى حدود المعقول، وفضلا عن ذلك فإن المياه المالحة تنظف المدينة ،وتزيد من شعور سكانها بالتميز». لكن هذه المشاعر العاطفية الفياضة لا تلغي الحقيقة البسيطة، وهي أن المدينة تعاني من خسائر مادية هائلة بسبب الفيضانات.
ومن المدهش أيضا أن هناك شرائح من سكان المدينة، وخاصة في صفوف الشباب تشعر باللامبالاة حيال ما يجري فيها، ومنهم من لا يتردد في وصف مشروع «موسى» بأنه مشروع هلامي غير محدد الملامح، بل لا يعرف أحد متى سيأتي ثماره على وجه الدقة.
وهذا الموقف ليس مرده تجاهل الواقع المتردي الناجم عن الفيضانات، وإنما التشكك حيال الدوافع وراء المشروع، حيث يرى البعض أن مشروع الإنقاذ لا يحمي أهل المدينة، وإنما يحمي في حقيقة الأمر الاستثمارات الطائلة في صناعة السياحة وبالتالي فهو يخدم السياح ومن يحققون ثروات طائلة من دوران دولاب العمل في القطاع السياحي، على حين لا يجد كثير من شباب المدينة مستقبلا لهم في رحابها ، بل يضطر معظمهم إلى السكن بعيدا عنها والتردد عليها في أوقات العمل فحسب. وفي غضون ذلك كله تتابع المدينة العائمة، بأنفاس لاهثة دقات الساعة.. في انتظار اكتمال مشروع إنقاذها الذي يضرب موعدا لها مع مستقبل أكثر تألقا.
قسم الترجمة ـ «البيان»
