يتخطى الفنان التشكيلي العراقي وائل المرعب أوجاعه، ليقف في معرضه التاسع (ألحان) الذي يفتتح عند الساعة السابعة من مساء اليوم في قاعة (قباب) في أبوظبي، على مفازة تطل على باحة من الأمل، مصوّراً عبر لوحاته وطناً متخيلاً يركع الجمال على عتبات أسواره العتيقة. ويكاد الرائي للوحات معرضه الجديد أن يسمع دندنات العود وأوجاع الناي وعزف المزامير، وهي تصدح بأيدي العازفين.

عشية الافتتاح، تحدث المرعب عن فلسفة معرضه الجديد الذي يستمر حتى السابع من الشهر الجاري قائلاً:« حاولت من خلال الصورة الجمالية التي أجمع بها اللحن الموسيقي والجسد الإنساني الجميل وخلفية الألوان الشاعرية؛ أن أخلق طقوساً جديدة للجمال الرافض للخراب وسيل الدم اليومي في وطني، وأعتقد أن تصويري لشخوص العازفين وآلاتهم بين نسيج الألوان، هو حلم وأمل لطالما راودني عن الحياة الرافدينية المتخيلة». يحاول المرعب في تجربته التي تتخذ مساراً تعبيرياً شعرياً، تؤرقه التجريدية بألوانها والواقعية بتكويناتها، يحاول أن يشكّل من العازف والآلة والخلفية الملونة وحركة الجسد الإنساني الجميل؛ مناخاً هارمونياً لأنشودة الحياة التي يأمل في أن تكون خلاصاً أبدياً للوطن الإنسان.

رغم أنه لم يدرس الفن أكاديمياً، إلا أن المرعب استطاع بموهبته الفطرية، ومن خلال دراسته الفن بصورة حرة على يد مؤسس مدرسة (البعد الواحد) شاكر حسن آل سعيد والفنان الكبير سعد الطائي في ستينات القرن الفائت؛ أن يؤسس لنفسه خطاً وبصمة فنية خاصة، فتنقل وائل المرعب كرحالة يبحث عن سر الجمال المكنون في الوجود وعمل على التجريب في كل مدارس الفن من واقعي وتجريدي وانطباعي، إلى أن وصل إلى مرحلة التعبيرية التي يكتنفها التجريد، فتبعد عن المباشرة في الخطاب الفني وتعقلنها الواقعية، فتبعد عن العبث بالخليقة التي يعتقد الفنان أنها جمال مطلق لا ينبغي تشويهه.

مع أن الفن التشكيلي العراقي يعتبر الأبرز عربياً بشهادة نقاد الفن، إلا أن وائل المرعب يرى بأن النقد الذي واكب التشكيل العراقي، لم يعطه حقه في التحليل ومواكبة التجربة الفنية منذ ظهور أوائل التشكيليين العراقيين أمثال عبد القادر الرسام وجواد سليم وفائق حسن، فهو يرى بأن التشكيل العراقي حين كان يعدو مسرعاً فإن النقد كان يحبو ولا يزال.

وقد أشرف وائل المرعب على إدارة أكبر القاعات الفنية العراقية في العاصمة بغداد كقاعة الرشيد والمتحف الوطني للفن الحديث جناح الفن المعاصر بمركز الفنون، وهي المراكز والمتاحف التي تعرضت لأبشع عملية تدمير لذاكرة شعب شهدها تاريخ البشرية، وقد جرت سرقة وتدمير ونهب آلاف الأعمال الفنية العراقية من تلك المراكز أبان الغزو الأميركي والغربي للعراق عام 2003.

عن تلك الأحداث يقول المرعب: (لقد سلّط الإعلام العربي والعالمي الضوء على نهب متاحف الآثار لأسباب يطول شرحها؛ بينما تم التعتيم على نهب وسرقة وتدمير آلاف الأعمال الفنية التي جرى رسمها ونحتها طيلة قرن من الزمن، وتوازي من حيث الأهمية، أو تكاد تفوق أهمية، الآثار البابلية والسومرية والإسلامية التي جرى نهبها وتدميرها، لأن التشكيل المعاصر هو ذاكرة الشعب الحقيقة التي عاصرت آماله وآلامه وحياته الحالية، وما يحزن في الأمر أن وزارات الثقافة المتعاقبة بعد السقوط لم تُلقِ بالاً واهتماماً يذكر بمحاولة استعادة تلك الأعمال؛ إلا محاولة وحيدة لم يكتب لها النجاح حين كان مفيد الجزائري وزيراً للثقافة.

وتم التغاضي عنها وتناسيها، وحين نأتي إلى المشهد التشكيلي العراقي المعاصر نجد بأن العديد من رواد هذا الفن رحلوا إلى بارئهم، وفقدت معظم أعمالهم، أما البقية فهم مشتتون في بقاع الأرض، ومن آثر البقاء في الوطن الجريح فهو يتحمل ضريبة الألم اليومي كغيره من أبناء هذا الشعب المظلوم).

يتذكر الفنان وائل المرعب حادثة لصقت بذاكرته أثناء زيارة الأديب المصري الراحل يوسف إدريس لبغداد، حيث سأله صحافي عن رأيه بالرواية العراقية، فأجاب قائلاً:( لا يوجد رواية ولا روائيين في العراق، بل لديكم إبداعات أخرى كالشعر والفن التشكيلي والموسيقى). ثم يتابع المرعب قائلاً: (بعد عقود على تلك الحادثة أجد نفسي متفقاً معها، فلقد أثبت الشعر والتشكيل العراقي حضوره بقوة في المشهد الإبداعي، لأن الشعر والتشكيل والموسيقى وليد اللحظة الانفعالية.

أبوظبي-محمد الأنصاري