في زيه بني اللون يُعرف من بعيد، وهو يحمل بيديه جهاز المخالفات الإلكتروني ويبحث عن سيارة في وضعية مخالفة، تحاط شخصيته المغلفة بطبيعة عمله بكثير من الحكايات السلبية، عيون السائقين تتابعه خوفاً من مخالفة عابرة.. والحديث العام يدور حول دفتر مخالفات كلما نقصت أوراقه زاد راتب الموظف كما يعتقد الكثيرون.
الجمهور يحتفظ في مخيلته بحالات كثيرة تجعل من ضابط المواقف المدفوعة هاجساً يخيفهم.. البعض يتوقف بسيارته قليلاً ليتناول وجبة من مطعم فيرجع إلى سيارته بمخالفة، وآخرون يسيرون نحو جهاز الدفع الإلكتروني وأعينهم «تراقب» المراقب، وكبار في السن من الرجال والنساء يظلون الأبطال الأبرز لحكايات وطرائف لا تنتهي مع ضابط المواقف المدفوعة.
جاسم البلوشي يبلغ من العمر 24 عاماً، ويعمل ضابطاً للمواقف في شارع جمال عبد الناصر المزدحم بعائلات عربية كثيرة بالشارقة، وبحكم موقعه الوظيفي، فهو يبدي حالة تفهم مبالغة في تعامله مع الجمهور من مختف الثقافات والجنسيات، مشيراً إلى أنه يمارس عمله من باب العلاقات العامة والتفاعل الإيجابي مع الجمهور، لأن الغرض ليس مادياً، وهو ـ على الأقل ـ لا يبحث عن مخالفة بقدر ما يهدف إلى تنظيم وقوف السيارات الكثيرة في ذلك المكان.
ويؤكد جاسم أنه يتعامل مع الجمهور بمرونة كافية، فلا يلجأ إلى دفتر المخالفات إلا في الحالات المؤكدة، ولا يمكن أن تكون غيابية، ومن الضروري أن يتسلم السائق مخالفته في المكان، وفي حال رفضها تسري المخالفة تحت باب «رفض استلامها». غير ذلك وبحسب ما يؤكد ضابط المواقف، فإن الهدف الرئيسي من وراء فكرة الرسوم المدفوعة ليس جني الفلوس وتحرير المخالفات بحسب ما يعتقد الكثيرون.
وإنما في جعل المدينة أكثر تنظيماً في شوارعها ومواقفها وأسواقها، لافتاً إلى أن القيمة المادية المحصلة من المواقف المدفوعة بالكاد تسد رواتب الموظفين ومتطلبات العمل، فالهدف ليس المخالفة وحسب، لا سيما وأن الموظف لا يُكافأ بحسب عدد المخالفات كما يعتقد البعض، والجميع يتسلم مرتباً ثابتاً.
ولا يخفي البلوشي حالة فهم خاطئة من الجمهور تجاه ضابط المواقف، لكون البعض ينظر إلى الموظف وكأنه يجبي الفلوس بأية طريقة، والحاصل أن تلك الوظيفة أسمى بكثير من تلك النظرة الضيقة، وهي مفعمة بملامح اجتماعية وإنسانية، تقود إلى علاقات محبة وصداقة مع الجمهور، وتغوص في شؤون الأفراد الخاصة، لكون الموظف على علاقة احتكاك مباشرة مع الجميع. غير ذلك يوضح البلوشي أن تلك المهنة تمنح صاحبها أفقاً ثقافياً متسعاً، من حيث تعلم اللغات مثلاً، وهو شخصياً يجيد، بعد أربعة أعوام من العمل في هذا الحقل، التحدث بالعربية والإنجليزية والأوردو.
فيما مشكلات تلك المهنة التي تبدو مستديمة تتحدد في نظرة البعض وطريقة تعامله مع موظف ضابط المواقف، المادية السلبية. كبار السن من الرجال والنساء بالتحديد، هم حجر العثرة الأبرز الذي يواجه ضابط المواقف كما يقول جاسم.. بعضهم لا يتقبل الطلب بعدم الوقوف في موقع ما،، وربما لا يلتفت إلى تلك الوظيفة من أساسها بحكم العمر والبيئة وثقافة «العواجيز» التي لا تزال راسخة.
جاسم تعرض مرات عديدة لمواقف صعبة، واحدة منها عندما طلب من امرأة عجوز أن تحرك سيارتها من الشارع، فانهالت عليه بالشتائم والصراخ وما إلى ذلك، فوقف مستسلماً صامتاً إلى حين انتهت، فقال لها: أنت مثل أمي «الله يسامحك».. وانصرف مبتعداً، فتحركت العجوز بسيارتها نحوه، وقدمت إليه زجاجة ماء باردة.تلك هي وظيفة جاسم المسماة ضابط مواقف كما هو يمارسها.. وليس كما يراها الجمهور.
دبي ـ عنان كتانة
