على الرغم من معالجتها مراراً وتكراراً على صفحات الصحف وفي وسائل الإعلام المختلفة وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية التي تؤكد على أنها مخالفة تستوجب العقاب وعلى الرغم من الشكاوى المتكررة من المتضررين إلا أن مشكلة سكن العزاب وسط المساكن العائلية لا تزال قائمة تتفاعل وتتفاقم وتعاند من يحاول علاجها ومن لم يحاول.. ولأنها لم تصل إلى حل نهائي بعد ولا تزال الشكاوى تتزايد فقد طرحناها مجدداً ولن نمل الطرح حتى نصل للحل الجذري.

ينص القانون بشكل صريح على منع سكن العزاب وتجمعاتهم بين مساكن العائلات، ولم يضع المشرع هذا القانون عبثاً وإنما بعد تكرار الشكوى والمشكلات التي نجمت عن هذا الوضع وأصبح على الملاك عدم السماح بتأجير أملاكهم إلا للعائلات، وعائلة واحدة فقط لكل منزل حفاظاً على الخصوصيات والأخلاق التي يحرص عليها مجتمعنا الإسلامي الشرقي.

ولكن في منطقة الراشدية بدبي تختلف الصورة تماماً تجمعات تحوي عشرات من العزاب، تدخل وتخرج من منازل صغيرة وتمر بين منازل العائلات في حرية تامة شباب من الجنسيات الآسيوية يقفون على نواصي الطرق الضيقة يتبادلون الضحكات والقفشات والدعابات اليدوية بحرية تامة يرتدي بعضهم البنطلونات القصيرة «الشورت»، ويضع البعض الآخر «الوزار» يستمتع أغلبية الحضور بتدخين السجائر وتناول العصائر والشاي بالحليب وكأنهم في رحلة خلوية!

في إحدى الطرقات الصغيرة التي اصطلح على تسميتها (سكة) وقف جمعة الهنائي في انتظار تفرق هذه الأعداد الكبيرة من العزاب من الطريق حتى يمر مع أسرته من باب المنزل إلى السيارة التي تصطف بالشارع الرئيسي.. يقول مستنكراً ما نراه: «هل يعقل أن انتظر خلو الطريق حتى نمر؟ كما ترى (السكة) ضيقة وهؤلاء العزاب يشغلونها بصفة مستمرة لأن منازلهم ضيقة المساحة وهم يسكنونها بأعداد غفيرة تصل إلى 50 شخصا في مساحة لا تزيد على 80 متراً أو أقل مما يؤدي إلى استخدامهم المرافق العامة حول المنزل كأماكن للمقابلات والتدخين وتناول الأطعمة بينما المفترض أن تكون هذه المرافق والممرات منافع عامة لكل السكان وبما أنهم من العزاب فلن يصح بأي حال أن تمر النساء والبنات والخادمات بينهم».

يضيف الهنائي: «قمنا بإبلاغ رقم الشكاوى المجاني مرات عدة عن هذه المساكن التي تؤوي أعداداً كبيرة من العزاب وقام المسؤولون بزيارة المكان ولكن لم يتخذوا أية إجراءات رادعة تجاه المنازل المخالفة ولا نعرف السبب».

يشير الهنائي إلى تحايل بعض العزاب على القانون بالإتلاف العمدي لرقم المنزل حتى يضلل المفتشين أيضاً لجأ البعض منهم إلى إزالة الرقم بالمرة، وإحاطة المنزل بسياج من الخشب والمزروعات يضمن استخدام المساحة الداخلية من السور وهي مستقطعة من المساحة الهامشية للشارع، وبذلك تتسع المساحة لمزيد من الأشخاص ويشير إلى منزل مقابل لمنزله قائلاً أنه يؤوي ما يزيد على مائة شخص ومساحته لا تزيد على 90 متراً مما يعني أن نصيب الفرد من المساحة يقل عن متر إلا أنهم يتغلبون على هذه المشكلة باستخدام الأسرة ذات الطوابق الثلاثة ويستخدمون الطرقات التي تفصلنا عنهم ك(صالونات) يتحدثون فيها.

ويستنكر الهنائي ما يقوم به هؤلاء من سلوكيات تتنافى مع ديننا الإسلامي الحنيف ويؤكد خطورة استمرار وجودهم بين العائلات خاصة وأن هذه العائلات لديها خادمات يتحدثن نفس لغات هؤلاء العزاب.

أوضاع غير إنسانية

ويؤكد طارق عبيد أحد سكان الراشدية اختلاف الخريطة السكانية للمنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، نتيجة السماح للآلاف من العزاب بالسكن في البيوت الشعبية التي قام ملاكها بتأجيرها بمبالغ كبيرة لأشخاص من الجنسيات الآسيوية ويقوم المستأجرون بدورهم بتأجيرها من الباطن لأشخاص آخرون بعضهم للأسف يكون بصحبة عائلته وهي أوضاع غير إنسانية وتتنافى مع الصورة الحضارية لدبي ولك أن تتخيل أن عشرة أشخاص أو أكثر يعيشون في غرفة واحدة ضيقة يحتاج كل منهم ليس فقط لمكان النوم ولكن يحتاج أيضاً لمكان يتناول فيه طعامه.

ولو كان يتناول طعامه في نفس مكان نومه فتلك مصيبة، أيضاً يحتاج لكل مقومات الحياة من كهرباء وغاز وغيرها من الخدمات فهل تتسع الخدمات لتشمل كل هؤلاء؟ انقطعت الكهرباء أكثر من مرة بسبب التحميل الزائد، فهل يكون السبب هو منازلنا التي لا يزيد عدد سكانها عن خمسة أو ستة أشخاص أم منازل العزاب التي تمتلئ عن آخرها؟

ويضيف عبيد أن وجود هذه الأعداد الكبيرة من هؤلاء العزاب بين منازل العائلات يعصف بالقيم الاجتماعية التي تربينا ونشأنا عليها، ويؤدي لتغلغل القيم الثقافية غير المحببة بين أطفالنا وشعورنا بالغربة بين أهلنا ويؤكد أن هذه المشكلة نشأت عندما قام العديد من الجيران بتأجير منازلهم أو بيعها والانتقال إلى منازل أحدث، ومن ثم تركوا لنا جيراناً لا تربطنا بهم أية علاقات بل انزعاج دائم من تصرفاتهم.

معاناة يومية

عبد الله الخليفي يشارك عبيد الرأي ويضيف، أن ازدحام الطرقات الضيقة بالسيارات أصبح معاناة يومية فكل منزل يتبعه ما يزيد على 10 سيارات ولا تتسع المواقف لكل تلك السيارات فتكون النتيجة أننا نصف سياراتنا على أبعاد كبيرة لعدم توافر المواقف أيضاً تمثل القمامة عبئاً كبيراً على المنطقة فلك أن تتصور الفارق ما بين مخلفات منزل يعيش فيه 3 أو 4 أشخاص وآخر يعيش فيه 50 أو60 بالتأكيد الأمر أصبح خطيراً ويحتاج لتدخل الجهات المسؤولة، خاصة وأن البعض لم يتأثر بقطع الكهرباء عن بيته، فهذه المسألة بالنسبة له ترفيهية وليست أساسية.. أيضاً يدبرون احتياجاتهم من المياه عن طريق التعبئة من المساجد القريبة أي أن الأمر يحتاج إلى إجراءات أكثر حزماً وأبعد ردعاً.

دبي - أيمن حجازي