حياء قروي يغلف استعدادها للحديث، وتحفّظ يراوح بين الرفض والاسترسال في الكلام، تحفظ سرعان ما تلاشى مفسحا الطريق للسرد. تقول منى المنتمية لحوض النيل «هي التجربة الأكبر والأعمق في حياتي، والواقع أنهما تجربتان في السياق نفسه تقريبا مع اختلاف الحالة وزمن حدوثها.
رغم أني كنت اعتبرت تجربة الزواج في الغربة والحياة بعيدا عن الأهل في عمر مبكر، ومن ثم الإنجاب هي التجربة الأكبر لي حتى حدث لي ما حدث، ليكون ذلك هو التجربة المفصلية في حياتي كلها.
كان الحدث الأول في وضعي بأحد أولادي حيث لم تتوفر طبيبة نسائية وتوليد لحظة المخاض في المستشفى لكوننا نقيم في منطقة نائية فتمت الاستعانة بطبيبة أطفال، وقد بذلت جهدها لكن الحالة لم تكن طبيعية لدي فقد خرج الحبل السري قبل خروج الوليد، حاولت الطبيبة إزاحة الحبل جانبا لتفسح المجال للوليد لكنها أخطأت حين استخدمت المقص لذلك.
ولكون المقص حادا فقد قص الحبل السري فورا من دون قصد، في تلك اللحظة شعرت بانقسام حدث في أحشائي واتجه كل جزء إلى جهة من البطن، ودخلت مرحلة الخطر والاختناق، وهنا تدخل المولى سبحانه، حيث سارعوا بي إلى غرفة العمليات على الرغم من عدم جهوزيتها وعلى الرغم من تواضع الإمكانيات لدينا في المناطق الشرقية قبل تحسين القطاع الصحي.
أقول ان العناية الإلهية كانت ترعاني في تلك اللحظة، وقد قدر الله لي ولطف بي فنجوت والوليد بعملية قيصرية. بعد سنوات حدثت التجربة الأصعب وأيضا كنت في حالة وضع، حيث فقدت كثيرا من دمي، وشارفت على الموت، ولكون فصيلة دمي نادرة فقد تعذر الحصول على ما يكفي لتعويض ما فقدت من دماء.
وتم الاتصال بالمشافي ولكن المسافة ليست قريبة حتى لو تأمنت الكمية المطلوبة أو حتى الحد الأدنى منها، فانا أرقد في مستشفى بالفجيرة.
وهكذا في كل دقيقة كنت اقترب من الموت أكثر وبدأت الدخول في الغيبوبة. في هذه الأثناء كان الطبيب يصارع الوقت، فكان يلطمني على وجهي كلما توغلت في الغياب كما أخبرني بعد ذلك ويأمرني بألا أنام صارخا بي أفيقي أفيقي، بالطبع لم أكن أشعر بأي مما كان يحدث فغبت تماما عن الوعي بل وتوقف النبض كلية، فالكمية التي توفرت بعد جهد جهيد من الدم غير كافية، واضطر الطبيب لوصلها بوريدي وهي باردة بسبب وضعي الحرج وأهمية الجزء من الثانية، وخطورة التأخير أكثر حتى لو كان لتدفئة الدم.
لحظات فقط ليدرك الطبيب بعدها أني قضيت، فتم نزع الأجهزة الموصولة بجسدي وتمت تغطيتي بالكامل ومن حولي ينهارون أختي.. أولادي وزوجي رحمه الله، وهنا يمكن القول ان تدخلا إلهيا آخر حصل في تلك اللحظة، فقد اكتشف الطبيب أثناء توظيب الغطاء على جسدي بنبض ضعيف ليعود إليه الأمل من جديد ويعود إلى محاولة إنعاشي بالأدوات واستفاقتي بالضرب على وجهي لأصحو وهو ما تحقق فعلا، وبدأت أعود شيئا فشيئا إلى الحياة.
لكن تلك التجربة خلفت وجها مزرقا متورما، كما أدت إلى إصابتي بشلل نصفي في الوجه، ولعلها بسبب الضربات على وجهي. لكن ذلك لم يكن شيئا أمام استعادة حياتي ولله الحمد، وهاأنذا اليوم بكامل عافيتي وقد منّ الله علي بشفاء وجهي من الشلل، وبذلك كان قراري بالاكتفاء بما لدي من أولاد.