شغل الفرنسيين ردحاً من الزمن فعشقه أهل الفن فيما جعله أهل السياسة قدوتهم وكان نجماً لكنه هوى وكان تاريخاً فأصبح سجلاً من صفحاته فانطوى. هو نفسه لم يصدق نفسه فبعد البريق والاضواء هل يصبح مصيره في غياهب السجن وبعد أن كان بريقاً من نور سيعيش في ظلمة تامة وراء القضبان.

جاك شيراك الرئيس السابق لفرنسا قررت محكمة في العاصمة باريس أمس إحالته إلى القضاء بعدما وجهت إليه تهما تتعلق باستغلال الثقة واختلاس أموال عامة وذلك في سابقةٍ هي الأولى من نوعها لرئيسٍ فرنسي منذ إعلان الجنرال شارل ديغول قيام الجمهورية الخامسة قبل نحو خمسة عقود. ويبدو أن حصانة شيراك السياسية وإرثه الديغولي لم يشفعا له في رمي تلك الاتهامات في غياهب النسيان خاصةً وأنها تعود إلى حقبةٍ كان فيها عمدةً ل«عاصمة النور» في ثمانينيات القرن الماضي. ومن الجلي أن فرنسا تمر هذه الأيام في «حقبة الفضائح الذهبية» بعد أن كانت محكمة قضت قبل بضعة أيام بسجن رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيليبان 18 شهراً مع وقف التنفيذ في وقتٍ تعرض فيه وزير الثقافة فريديريك ميتران ابن أخ الرئيس الراحل فرانسوا ميتران إلى هجومٍ عنيف بسبب ما قيل عن ميوله الجنسية الشاذة.

وما زاد طين الفضائح بلةٍ الحكم على وزير الداخلية السابق شارل باسكوا بالسجن بصحبة نجل فرانسوا ميتران جان كريستوف لتورطهما مع رجال أعمال في «بزنسٍ» مع نوعٍ خاص شمل بيع أسلحة إلى أنغولا حينما كان المجتمع الدولي يفرض حصاراً على تصدير السلاح إلى الأخوة الأعداء هناك.

وإن كان من غير الواضح بعد إذا كان شيراك سيمثل بالفعل أمام منبر العدالة، فإن الأخير نفى الاتهامات الموجهة بحقه والتي تتعلق على وجه الخصوص بمنح أشخاص مقربين منه وظائف دون أن يقوموا بأي عمل في واقع الأمر.

وشمل التحقيق الذي أجرته قاضية التحقيق كزافيير سيميوني 35 وظيفة وهمية مفترضة خلال فترة تمتد بين عامي 1983 و1998 أي منذ بداية ثاني ولاية لشيراك كعمدة باريس إلى الأعوام الثلاثة الأولى من عهد خلفه في هذا المنصب جان تيبيري.

إلا أن مكتب شيراك الإعلامي أعلن أن الرئيس السابق أحيل إلى محكمة جنح باريس بسبب 21 وظيفة اعتبرت وهمية وليس 35.

وبالإضافة إلى سيد قصر الإليزيه السابق، وجهت تهم مماثلة إلى 9 مسؤولين مقربين من بينهم النائب السابق جان ديغول ابن شارل ديغول، في ما كان من بين المستفيدين المفترضين من هذه الوظائف الوهمية محافظ سابق يشتبه بأنه أخذ إلى جيبه راتب سائقٍ كانت بلدية باريس تدفعه إلى السائق «الوهمي» في عقدٍ وقعه شيراك بخط يده. وتقاطر كبار زعماء المعارضة إلى مذبح الأسف محاولين جاهداً ألا يعربوا عن شماتتهم بحق خصمٍ عنيد للحزب الاشتراكي.

فقالت زعيمة الحزب السابقة سيغولين رويال إن إحالة شيراك إلى المحكمة «لن تكون جيدة لصورة فرنسا» التي عرف عنها أنها بلد الأناقة والعطور.. والفساد السياسي. ولربما سيعمد الرئيس الفرنسي السابق إلى الاستثمار هذه المرة بمجالٍ آخر بعيداً عن الوظائف الوهمية معولاً على شعبيته التي تجاوزت الـ 76 في المئة مؤخراً ليقنع مواطنيه بأنه بريء.. حتى تثبت إدانته.

رؤوف بكر