يظل الزواج يمثل الخطوة الأهم في حياة الإنسان، وهي الشغل الشاغل لجيل الشباب الباحث عن الاستقرار والأمان، في زمن كثرت فيه المغريات وتزاحمت الطرق التي تقود إلى ما لا يتوقعه الكثيرون. وفي حالة زواج الشباب في الإمارات تتعدد الوسائل لكنها تختلف من مدينة إلى أخرى، وفي المناطق المختلفة، أو لدى القبائل، وحتى من بيت إلى آخر.
أخصائيو علم الاجتماع والاستشارات الأسرية، يؤكدون من جانبهم أن المجتمع الإماراتي متحول ومنفتح على كثير من المتغيرات، فالأسرة الإماراتية تتمتع بمساحة كبيرة من الحرية، وتعدد الآراء في اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بشؤون أفرادها، قياساً بالدول العربية الأخرى، ومرد ذلك كما يؤكد البعض إلى طبيعة الواقع الإماراتي المعاش في خضم كم من التطورات والثقافات الوافدة إلى أرضه. تبعاً لذلك التحول الذي تغلغل في ثقافة الأسرة الإماراتية، أردنا أن نستطلع بعض الآراء المتعلقة في الخيارات الزوجية، لا سيما في اختيار الفتاة الإماراتية لشريك حياتها... شما، فتاة إماراتية في العشرينات من عمرها وتعيش تجربة واقعية مختلفة.. الجمال والحضور المهني والوظيفي وحتى العائلي من نصيبها، لكن خيار الزواج لا يبدو كذلك. شما خرجت إلى العمل فأبدعت، وتعرفت على واقع مهني لم تلمسه لا في بيتها ولا حتى في جامعتها، وفي الوظيفة ارتقت بأحلامها وطموحاتها، فصارت تتقن التبصُّر لحياة زوجية أفضل، وراحت ترسم في مخيلتها هيئة إنسانية أسمى لفارس أحلامها، تخلو من المال والجاه، لكنها ترتكز على مسمى الحب والتفاهم والاحترام المتبادل، وهذا شرطها المؤكد.
غير أن حلمها في الزواج تعثر عدة مرات، بحكم الطريقة التقليدية التي تتم في أكثرها جرأة عبر الصور الفوتوغرافية، وهي لا تزال تتشبث بقناعة مستقبلها العائلي في حدود تعاليم الشرع وتقاليد الأهل، والآتي في علم الغيب بالنسبة لها.
فتيات أخريات، لهن آراء أخرى عن الزواج كخطوة واقعية، حيث تقول نورة التي تبلغ العشرين من عمرها، إن للفتاة حق أن تحدد هدفها في الزواج، ولها أن تختار كذلك.. فإعجابها بالشاب لا بد أن يترجم إلى واقع، تماماً كما هو حال إعجاب الشاب بالفتاة، فحينما يعجب الشاب يكون الطريق إلى الزواج أقصر، وعلى العكس بالنسبة للفتاة.
وتؤيد نورة مصارحة الفتاة لأحد أقرباء الشاب الذي تعجب فيه من أجل الوصول إلى زواج أفضل، وهي ستنظر بإيجابية تامة إلى مثل هذه المبادرة حينما تواجهها مع أحد أو إحدى قريباتها لسبب وحيد، وهو أن الزواج قرار مشترك.
هدى، فتاة إماراتية في الثلاثينات من عمرها، ترى أن المجتمع الإماراتي تغير منذ التسعينات وإلى الآن، فأصبحت الجرأة ملمحاً صريحاً، لا سيما لدى جيل الشباب الجديد، الذي يصر على تقرير مصيره بالطريقة التي يراها مناسبة، مشيرة إلى أن مصارحة الفتاة في حلم زواجها تبدو أكثر إيجابية وقبولاً من أن يتخذ الموضوع منحى آخر خطير.
الانفتاح الذي يعيشه المجتمع الإماراتي قاد فتيات كثيرات إلى الزواج بشكل أوفر حظاً مما كان عليه الحال في التسعينات مثلاً، كما توضح هدى، وذلك مرده إلى أن الفتاة خرجت إلى العمل، وتغلغلت أكثر في المجتمع وأصبحت خياراتها أكثر نضجاً وأمناً، وهو ما انعكس على المجتمع عموماً، حيث بدأت ملامح العنوسة بالتناقص شيئاً فشيئاً.
وتؤكد هدى أنها تلقت تصريحات وتلميحات من بعض صديقاتها حول إعجابهن بأقارب لها، وكانت نظرتها لتلك الخطوة إيجابية، حيث تعاملت مع المسألة بجدية، ساعية إلى تقريب وجهات النظر بغرض الوصول إلى زواج أكثر مصداقية وبالتالي أكثر أماناً.
آمنة، أم إماراتية في الأربعينات من عمرها، ترى أنه من الصعب عليها كأم أن تتقبل فكرة إقدام ابنتها على نقل مشاعر إعجاب بشاب ما، وتجزم أنها لن تقبل كذلك بأن تبدي فتاة إعجابها بولدها، بحكم عادات وتقاليد إماراتية لا تزال راسخة في المجتمع، لكنها تؤكد أن هذا الواقع سيصبح نهجاً في غضون سنوات قليلة، بحكم أن المجتمع الإماراتي بات أكثر تقبلاً وانفتاحاً على كثير من المتغيرات التي كانت في زمن غير بعيد من المسلمات التي لا تمس.
وتشير آمنة إلى أن مبادرة الفتاة لنقل ملامح إعجابها بشاب، أمر غير مقبول لدى كثير من الأسر الإماراتية، وإن كانت كفكرة لا تخرج عن تعاليم ديننا الحنيف، لكن للعادات والتقاليد كلمة وفعلا وتأثيرا، لافتة إلى أن إقدام الفتاة على مثل هذه الخطوة، ربما يعرض سمعتها للخطر في بعض الأحيان، حيث تلاحقها نظرة انتقاص، لا سيما في مجتمعنا الذي هو واحد من المجتمعات الشرقية المحافظة.
وتوضح أن المجتمع الإماراتي ومهما تبدلت فيه النظرة المجتمعية لكثير من الأمور، إلا أنه يظل في الواقع مجتمعاً شرقياً لا يخلو من السلبيات، ومن الممكن أن تتحول مبادرة الفتاة للزواج إلى سهم يصيبها بعد الزواج، حيث تجد الزوج يعايرها بكونه لم يكن يريدها وهي التي فرضت نفسها عليه، وما إلى ذلك من الأقاويل.
وعلى الرغم من تقبل كثير من الفتيات لفكرة المشاركة في اختيار زوج المستقبل، إلا أن الفكرة لم تعد ناضجة بالشكل المطلوب، كما يوضح الدكتور أحمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة الشارقة، الذي يرى أنه في منظومة المجتمعات العربية ككل، تجد أن ثقافة مبادرة الفتاة غير متقبلة لدى كثير من العائلات، وإن كانت الملامح تشير إلى انفتاح وتفهم لدى المجتمع الإماراتي، الذي يوصف على أنه مجتمع متحول يستوعب الأفكار الجديدة التي لا تخدش في جرأتها تقاليد وعادات أصيلة.
«حمية» الشباب
للزواج كخطوة إعجاب أولى ومتبادلة بين الفتاة وفارس أحلامها، نظرة أخرى من جانب الشباب وأولياء الأمور، حيث يرى يوسف حسن، وهو أب في الأربعينات من عمره، أن الشرع يتيح للفتاة المبادرة في إطار لا يخدش الحياة ولا يعلو فوق العادات والتقاليد، إذ من الواجب أن تكون نظرة الفتاة لهذا الأمر ضمن حدود المألوف، وتبقى المصارحة أهم بكثير من التكتم والسير في طرق لا أمان لها.
المهم كما يقول يوسف حسن، هو ألا تتحول نظرة الفتاة لهذه المسألة إلى روتين حياة، فيصبح الإعجاب شائعاً والشكل يغلب على المضمون، وهنا تضيع الملامح السليمة في الحياة الزوجية المنتظرة، مشيراً إلى أنه يؤمن كأب بمبدأ تحمل الإنسان مسؤولياته ونتائج اختياراته، دون إغفال جانب النصح والتوجيه.
ويرى أن الأب في حال كان للفتاة رأي إعجاب بشاب، فإنه يأخذ الموضوع على محمل الجد، ولا يمكن أن تأخذه الحمية فتكون العواقب وخيمة، إذ أنه من الواجب على الأب أن يستمع لأبنائه وأن يساعدهم في الوصول إلى أهدافهم طالما أنهم لا يبحثون عنها في إطار سلبي، لا سيما وأن الضغط على الأبناء يعرضهم للبحث عن مخارج أخرى قد لا تكون آمنة.
جاسم الخراز، شاب في العشرينات من عمره، يرى أن الفتاة وفي حال إقدامها على نقل فكرة إعجابها بشاب، فإنها تعرض سمعتها للسلبيات، لكون أن تلك الخطوة غير معتادة لدى عائلات كثيرة في مجتمع الإمارات، مشيراً إلى أنه من الممكن لها أن تستبدل خطوتها الجريئة تلك بـ «الخاطبة»، وهي الطريقة الأنسب للزواج هذه الأيام، حيث السرية والأمان، وفرص الاستشارات التي توفرها للمقدمين على الزواج.
وعلى الرغم من تأييده النسبي لاختيارات الأهل والعائلة في أمور زواج الأبناء، إلا أنه ينتقد هذه الطريقة التقليدية، التي يتم فيها الزواج بقناعات أبوية لا دخل للأبناء فيها، فمتى شعر الطرفان «الوالدان» براحة نفسية سارا باتجاه الزواج، دون أخذهما بعين الاعتبار مستقبل أبنائهما.
أما حمد الدرعي، وهو شاب في العشرينات من عمره أيضاً، فلا يمانع إطلاقاً أن تبدي الفتاة موقف إعجاب بشريك حياة تحلم به للمستقبل، خاصة وأنه يشعر بحجم التغيرات التي حصلت في المجتمع الإماراتي، حيث أضحى للفتاة رأيها وطريقة تفكيرها المستقلة نسبياً، وذلك دون الخروج عن إطار ثقافة وعادات المجتمع.
ويشير الدرعي إلى أن الشاب الإماراتي بات أكثر من غيره مستوعباً للمتغيرات التي تعيشها الفتاة، حيث خروجها للعمل وقدرتها على الإبداع والتميز، لافتاً إلى أن هذا الواقع مكَّن الفتاة من الحفاظ على نسبة أكبر من الاستقلالية، وللزواج نصيب من تلك الاستقلالية.
مجتمع متحول
في دراسة أجراها الدكتور أحمد العموش، تبين أن الأسرة الإماراتية، أسرة نووية وديمقراطية في القرارات الاجتماعية، حيث يتشارك أفرادها فيما يخص العلاقات الأسرية، وتؤخذ القرارات بصفة جماعية.
وقال العموش إن المجتمع الإماراتي متحول ويتقبل الأفكار المختلفة، وهو أكثر من غيره من المجتمعات العربية تميزاً في ثقافة الانفتاح والوعي الأسري، حيث إن غالبية الفتيات متعلمات، وتلك إيجابية تمنح الفتاة فرصة تولي شؤون ما يخصها بثقة، لافتاً إلى أن مشاركة الفتاة رأيها في مشروع الزواج أمر إيجابي يصب في خانة تقريب وجهات النظر والقضاء على العنوسة نسبياً.
حجر عثرة
الدكتورة علياء إبراهيم المستشارة التربوية والأسرية، وضعت مجموعة من العوامل التي تقف حجر عثرة أمام الزواج، لا سيما في عصر السرعة الذي نعيش، منها تعليم الفتاة وبحثها عن الدراسات العليا دون الالتفات إلى طلبات الزواج وهي في عمر أصغر، وحرص بعض العائلات على تزويج الفتيات ضمن دائرة الأقارب، وهو ما يضيّق من دائرة الخيارات أمام أبنائهما.
وتطرقت الدكتورة علياء إلى ظاهرة أخرى سلبية، وهي ضعف العلاقات الاجتماعية، ومبادرات التزاور بين العائلات في زمن «البزنس والسرعة»، وهو ما قلل من فرص الزواج بين العائلات المختلفة.
دبي ـ عنان كتانة

