الزلازل في قاع المحيطات ليست وحدها التي تجلب موجات وعواصف تسونامي التي تقتلع الأخضر واليابس. الشمس أيضا تجلب عواصف نارية تهدد الأرض ويترتب علها عواقب وخيمة لا يمكن حصرها.

فقد حذر تقرير صدر مؤخرا عن الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم من أن الأرض معرضة لخطر هبوب ما يعرف بالعواصف الشمسية التي تتمثل في اندلاع مفاجئ لحرارة الشمس، قد يترتب عليه نتائج بالغة الخطورة بالنسبة لكوكب الأرض يستغرق إصلاحها وتدارك آثارها ما لا يقل عن عقد من الزمن.

ويقول دانييل بيكر رئيس اللجنة التي أنجزت التقرير أن اندلاع العواصف الشمسية يمكن أن يترتب عليه نتائج على مستوى القارات تدوم شهورا وتصل إلى حدود لا يمكن تصورها، تبدأ من انقطاع التيار الكهربائي واضطراب حركة الطيران التجاري وتوقف العمل في المستشفيات وأجهزة الطوارئ وإحراق المحولات الكهربائية وخطوط نقل الطاقة وتحويل العديد من الأقمار الصناعية التي تنظم الاتصالات وحركة الملاحة إلى أجسام معدنية عديمة الجدوى.

ويقول بيكر أن البشرية توصلت إلى تصورها لما يمكن أن تكون عليه نتائج العواصف الشمسية في عام 1989 عندما أطاحت عاصفة شمسية صغيرة بشبكة الطاقة في شمال شرقي كندا.

وفي غضون 90 ثانية فقط انتقلت هذه المنطقة الهائلة من كندا من منطقة تعمل بصورة عادية ومنظمة.. إلى منطقة يعاني فيها ستة ملايين نسمة من انقطاع الكهرباء. واقتضى الأمر عملا مكثفا على امتداد تسع ساعات لإعادة توصيل وتشغيل الكهرباء إلى ذلك الجزء من الشبكة الكندية.. في حين استغرقت عملية الإصلاحات شهورا طويلة.

ولكن عاصفة كندا الشمسية.. كانت صغيرة ومحدودة بكل المعايير. أما في حالة حدوث اندلاع عاصفة شمسية كبرى، فإن المشكلات التي ستنشأ عنها ستكون على نطاق أوسع من ذلك بكثير.

والمشكلة الحقيقية في العواصف الشمسية.. أنها تستعص على التنبؤ بها إلى حد بعيد في الوقت الراهن. مثل هذه العواصف المخيفة.. تحدث تغير الحقول المغناطيسية القريبة من سطح الشمس تكوينها وتصدر عنها طاقة هائلة، تطلق جسيمات من الغلاف الشمسي إلى الفضاء.

وإذا وُجّه هذا الاندلاع الشمسي نحو الأرض.. فانه سيستغرق من 18 إلى 36 ساعة لكي يصل إلينا. وعندما يضرب الغلاف الجوي للأرض.. يسبب عاصفة شمسية.

والتحذير الوحيد الذي نتلقاه.. يأتي من القمر الصناعي « إيه سي إي» التابع لوكالة الفضاء الأميركية « ناسا».. ويمكن لهذا القمر أن يتيح لنا فترة إنذار تتراوح بين 15 إلى 60 دقيقة بقرب هبوب عاصفة شمسية. ولكن هذا الوقت لا يتيح لنا القيام بشيء يذكر.

ويعكف علماء الطبيعة بمزيد من الجد والاجتهاد على تفهم ما الذي يسبب اندلاع العواصف الشمسية، وذلك لتحسين قدرتنا على التنبؤ بها. وفي صدر الأدوات التي يستعينون بها في هذا الشأن مركبة فضائية تابعة ل ـ « ناسا» تعرف اختصارا باسم «استريو».

ويقول كريس ديفز من مختبر «روشفولد أبيلتون» الأميركي: «إننا نتطلع إلى العثور على مؤشرات تدلنا على أن عاصفة شمسية على وشك أن تهب علينا». و«استريو».. هي عبارة عن مركبة فضائية على بعد ملايين الكيلومترات أمام الأرض، ومركبة فضائية أخرى على المسافة نفسها وراء الأرض.

وكلاهما تتخذان المدار نفسه الذي تتخذه الأرض.. ومهمتهما رصد الفضاء الممتد بين الشمس والأرض. ويضاف عليهما أدوات أخرى مخصصة لرصد الشمس وحدها.

وهناك مؤشر واعد يمكن أن يدل على قرب هبوب عاصفة شمسية يتمثل في الظهور المفاجئ لفقعة متضخمة من البلازما فوق سطح الشمس مباشرة. ويبدو أن هذا يشير إلى الموقع الذي توشك عاصفة شمسية على الهبوب فيه.. الأمر الذي يعطي إنذارا وتحذيرا مدته يوم أو يومين قبل حدوث هذا التطور.

ولدي هبوب العاصفة الشمسية.. فإن فريق كريس ديفز.. يمكنه البدء في تحليل أي اندلاع للغازات الشمسية. ولما كان هؤلاء العلماء قادرين على النظر ومراقبة هذه الظاهرة من مكانين مختلفين.. فانه بوسعهم وضع تصور اندلاع العاصفة الشمسية بالإبعاد الثلاثة.

ويقول كريس ديفز في هذا الشأن: «يمكننا تحديد اتجاه اندلاع العاصفة الشمسية.. الأمر الذي يساعدنا على التنبؤ بما إذا كانت ستصيب الأرض من عدمه».

أنا والعاصفة

ما الذي يمكن للشخص العادي وغير المتخصص أو المزود بإمكانات كبيرة أن يفعله في مواجهة العاصفة الشمسية؟

من حق المواطن العادي أن يطالب بنظم أكثر قابلية للاعتماد عليها. ومن حقه أن يطالب الشركات والمؤسسات المعنية باتخاذ الاحتياطيات الضرورية لتقليص نتائج مثل هذه الكوارث الكبرى. وعليه في الوقت نفسه تجهيز بيته ومكتبه بأكبر قدر ممكن من الأدوات التي تساعد على مواجهة الظروف الطارئة. بل ومن حقه أن يطالب الخبراء المختصين وبالمزيد من التوعية للرأي العام بكل ما يتعلق بنتائج هذه التطورات الشمسية.

وفي غضون ذلك فإن على قادة الرأي وصانعي القرار على امتداد العالم البحث عن الحلول المستقبلية التي يمكن التصدي بها للظواهر من هذا النوع. خاصة وأن وضع دروع على سبيل المثال على المراكب الفضائية.. هو أمر مكلف إلى حد كبير.

وبالتالي فإن التطور المنطقي هو التوصل إلى فهم علمي أفضل لمثل هذه الظواهر وكيفية التعامل معها.. خاصة وأن الخبراء قدروا التكلفة الإجمالية التي يمكن أن يدفعها الاقتصاد الأميركي في صورة خسائر تتراوح بين تريليون إلى تريليوني دولار.