مسألة الجهل وعدم الإلمام بالقوانين، أصبحت من المسائل الهامة التي يجب على الفرد أو المجتمع ان يدركها جيدا، فكم من شخص جهل بالقانون وعرض نفسه للعقوبات، ثم اعترض وهو لا يدرك انه أخطأ أو ارتكب مخالفة يحاسب عليها بالقانون، وقيل في الأمثال القديمة من عرف العقاب نحّى نفسه عن مواطن الجرم وارتكاب الجريمة، فالقانون نظام مدروس ينظم حياة الناس ويحميهم من ارتكاب الخطأ أو أنه يعاقب كل من أخطأ بجرم أصاب طرفاً أو أطرافاً بضرر بسيط أو بليغ، والإلمام بالقوانين.
خاصة تلك التي تمس الناس مباشرة، يحافظ على إقامة العدل بينهم وحفظ حقوقهم، وللثقافة القانونية بشكل عام دور مهم في احترام القانون، فالثقافة هي أساس المعلومات التي تشمل المبادئ والأحكام والقوانين، والتي ينبغي على المواطن والمقيم والزائر معرفتها وقراءتها بشكل دقيق ووافٍ، ومتى عرف ذلك يكون قد عرف حقوقه وواجباته. ومن الظواهر الغريبة أن معظم الناس لا يولون الثقافة القانونية أبسط الاهتمام، وكم من شخص ارتكب خطأ بسيطا أو جرما بسبب جهله للأحكام والقوانين، وحتى عندما تعرض العالم للازمة المالية العالمية التي أصابت كثيرا من الناس بالخوف والهلع، كانت أيضا بسبب جهل المرء بالقانون وعدم معرفته بالقواعد المالية والاقتصادية، وفي الحياة الاجتماعية يتعرض المواطن والمقيم لكثير من المواقف، منها تطبيق الأحكام سواء كان على مستوى المخالفات المرورية أو تجديد الرخص التجارية وغيرها، بسبب ضعف والجهل الإلمام بالقوانين.
تقول المحامية عائشة الطنيجي: «في جانب الإلمام بالقوانين أرى أن كثيراً من الناس يجهلون القوانين ولا يعطون أنفسهم حق الاطلاع والمعرفة، بل وفي كثير من الأحيان يقوم البعض بالتوقيع على اتفاقيات مثل شراء بيت أو سيارة، دون أن يتمعن بكافة تفاصيل وشروط الاتفاق، لذلك أقول إن العلم بالشيء أفضل من الجهل به، ومن قرأ قانونا أو استشار محاميا أو استشاريا، لتدارك جوانب الخطأ الذي يقع فيها البعض، إذا ما اعتمد على نفسه محاولا إثبات قدرته على المرافعة في قضية ما». وتضيف الطنيجي: «دور المحامي مهم جدا وفي معظم البلدان يلجأ الناس إلى المحامي حتى لا يقع في المحظور، وأنا هنا لا أقول إن كل المحامين ماهرون في عملهم، فهناك أيضا من لديه جهل قانوني من المحامين. والبعض ربما اعتمد على النظرية الأكاديمية، ولديه تجربة تطبيقية بسيطة، وهو ما يدفع لتوريط الشخص بدلاً من تبرئته، وللثقافة القضائية التي هي محور هذا التحقيق دور في تمكين المواطن والمقيم من معرفة حق التقاضي وجهات التقاضي وأنواع المحاكم، وهذا كله يؤدي إلى الاختصار في الجهد والمال وتمكينه من الوصول إلى الحق بأسهل الطرق وأيسرها، كما تساهم الثقافة القضائية في فهم الناس للإحكام والقرارات القضائية، فالثقافة القضائية تساهم في تحصين المجتمع ضد من يريد التشكيك في فهم القضاة واجتهادهم في أحكامهم.
وأعتقد أن على وسائل الأعلام وخاصة الصحافة لعب دورا كبيرا في مجال نشر الثقافة القانونية والقضائية، ورفع الوعي لدى المواطن والمقيم، وبشكل أخر أن الثقافة القانونية تعني أيضا أن يعرف الإنسان ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وتعني كذلك فهم ووعي لحدود المسؤولية بين الفرد والمجتمع، وما يترتب على العلاقات والتعامل بين الناس من ارتباطات حقوقية سواء كانت مادية أو معنوية».
حاجة ملحة
يقول نقولا سليم «صاحب شركة نقل»: حقيقة إن غالبية الناس لا يعرفون حقوقهم وواجباتهم من الناحية القانونية، لهذا يقع البعض منهم في مآزق بسبب هذا الجهل، واليوم أصبحت الحاجة مُلحّة لنشر ثقافة الحقوق والواجبات حتى يعرف الجميع ما لهم وما عليهم، ولكن هناك حالات فردية تمتلك الثقافة القانونية، ولديها فكرة بالتعامل القانوني في القضايا التي تواجهها.
ونجدها في مأمن من الوقوع في الخطأ، وعموما فإن على وسائل الإعلام، أن تلعب دورا أساسيا وجوهريا في مسألة الثقافة القانونية، وأن تسهم في توعية المجتمع من خلال نشر الإرشادات القانونية والكيفية التي يتبعها الفرد لتجنبه الوقوع في المحظور، فعلى سبيل المثال كانت هناك توعية إعلامية في مجال المرور، عندما بدأ تطبيق النقاط السوداء، ورأينا كيف كنا نقرأ الإرشادات والفقرات القانونية التي توضح مكامن وقوع الخطأ وتجنبها، وهي التي لعبت دورا تثقيفيا وتوعويا لدى غالبية السائقين، واليوم على وسائل الإعلام أن تدلي بدلوها في مجال الثقافة القانونية.
وأعتقد أن كثيرا من الاستشاريين والمحامين سوف يسهمون في هذا المجال، وعلى الجهات الرسمية المعنية ان تنشر ثقافة القانون من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وان تقوم بطباعة كتيبات صغيرة توضح فيها بعض القوانين خاصة تلك المتعلقة بحاجات ومتطلبات الناس، وهذا الأمر معمول به في كل الدول الراقية والمتقدمة.
القانون لا يحمي المغفلين
إبراهيم محمد إبراهيم، موظف في مركز دبي المالي يقول إن القانون لا يحمي المغفلين، وهي فكرة قانونية فلسفية حسب الأصل، مفادها أن الحماية القانونية للمصالح الخاصة، ليست مطلقة بل نسبية، فالحماية القانونية إنما تبدأ قانونا من مستوى معين من سلوك مفترض للأشخاص لا تنزل دونه.
ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، فالقانون لا يحمي المغفلين متى أهملوا الجانب القانوني، ولكن القانون لا شك هو بجانب من يعرف خفاياه وبنوده، التي تعطي لصاحب الحق الوصول إلى العدالة الصحيحة، وأرجو أن تكون مسألة الثقافة القانونية من صميم أولويات الفرد، لان ذلك سوف يجنبه الوقوع في الأخطاء، وبالتالي يبعد عنه الشبهة أو اتهامه لا قدر الله بالمغفل الذي لا يحميه القانون.
وهناك من يعلم جيدا القانون تماما، ولكنه يقوم بمخالفته وارتكاب الجرائم، مثل قضايا التهريب والدخول إلى البلاد بطريقة غير شرعية، ويتم إيقافهم ومحاكمتهم وإبعادهم، إلا أنهم يعودون ثانية، وهنا على الدولة ان تشدد العقوبة، وأقول إن وسائل الإعلام يجب ان تلعب دورا أساسيا في مسألة تعريف الناس بأحكام القوانين وتفصيلاتها، خاصة وان ذلك يساعد الناس على الابتعاد من ارتكاب المخالفة او ارتكاب جرم يضر بالآخرين.
وتضيف سليمة عبيد صنقور، محاضرة دورات تدريبية: المحاضرات جزء من تثقيف الإنسان، وهي تزيد من معارفه خاصة في المجال الذي يعمل فيه، ولكن الإلمام بالقوانين ثقافة عامة أرى على الناس أن يستفيدوا منها، وكما قال الكثير من يعرف واجباته ويلم بالقوانين المرتبطة بحياته، لا شك سوف يتجنب الوقوع في الخطأ، وهذا ما علينا أن نتداركه وأن نعيه تماما، أما المخالفون للقانون.
خاصة في الجرائم الكبيرة والتي تضر بالآخرين، فهم يدركون تماما بما يقومون به، لذا نرى أن القانون هنا يطبق عليهم بصرامة، وهناك مخالفات نرى أن البعض يرتكبها قصدا، مثل السرعة في السواقة وتجاوزها إلى أكثر مما هو قانوني أو عدم تجديد ترخيص المركبة ودفع المخالفات، ومثل هذه المخالفات البسيطة ما كنا قمنا بها لو وجد هناك توعية لاحترام القانون.
جميل محسن


