تستغل «أبلة» علياء نهاية الأسبوع لتتجه نحو أقرب مكتبة، لتقضي ساعات معدودة قبل العودة بأثقال الأوراق المصورة، والوسائل التعليمية، وهدايا للمتفوقات.. على الرغم من العبء الذي يُثقل راتبها.. ولكنها لا تجد مفراً من تخصيص تلك المبالغ في تصوير أوراق العمل والامتحانات، وشراء ما يلزم من وسائل وأنشطة.. ومكافآت.. باعتبارها مطالبة بتوفير بيئة صفية مثالية.

راتب المعلمة حديث لا تخلو منه غرف المدرسات، فما نجا من الالتزامات العائلية لم ينجو من مصاريف الأنشطة والوسائل التعليمية، وقائمة طويلة تبدؤها المعلمات بمبادرات شخصية ولا تنتهي.

تقتطع ش. المنصوري - معلمة تربية إسلامية - من راتبها الشهري مبلغاً لتصوير أكوام من الأوراق الموزعة بين الامتحانات الشهرية وأوراق العمل وتدريبات للطالبات، ولا تكتفي بعبء تصوير الأوراق، بل تذهب لمكافأة الطالبات وتحفيزهن بشراء الهدايا، مؤكدة على مطالبتهن بالتميز الدائم في أساليب الشرح والوسائل التعليمية المُستخدمة، ومنها مكافأة الطالبات لتحسين أدائهن وتحفيزهن لتقديم نتائج أفضل في مسابقات حفظ القرآن أو الامتحانات.

كما تُطالب المعلمات من قبل إدارات المدارس بالاحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية، مثل اليوم الوطني وشهر رمضان، وتضيف المنصوري: «في غالب الأحيان نُحيي تلك المناسبات بمجهود ذاتي، حيث نقوم بجمع مبلغ من المعلمات المشرفات على الاحتفال والتجهيز للحفل بدءاً من الأدوات والوسائل وانتهاءً بالبوفيه أو الضيافة المصاحبة للحدث».

وتحايلاً على تلك الأعباء المرهقة حاولت المعلمات إيجاد مهرب عبر إقامة «طبق الخير»، وجلب الأطعمة المنزلية لبيعها على الطالبات بهدف استخدام الأرباح لشراء المواد اللازمة للأنشطة واقتطاع مبالغ أخرى لتصوير أوراق العمل والامتحانات.

أداء أفضل

الحال بالنسبة لمعلمة اللغة الإنجليزية أ. علي لا يختلف كثيراً، فهي تؤكد بعد ثلاث أعوام من عملها في مهنة التدريس بأنها لاتزال تنفق على تصوير أوراق الامتحانات والعمل من جيبها الخاص، كذلك بالنسبة للوسائل التعليمية، «نحن مطالبون بأداء أفضل، وذلك يتطلب شراء الأدوات اللازمة والقرطاسية التي في غالب الأحيان نشتريها من رواتبنا، كل ما أتمناه من إدارة المدرسة إعادة النظر في الميزانية المخصصة للمدرسة، وشراء الأجهزة اللازمة لتوفير ذلك الهدر لفائدة الجميع»، وتؤكد أنها ابتاعت تلك الأجهزة من راتبها واستخدمتها لتحضير بعض الأنشطة والوسائل التعليمية، كما قامت بالتعاون مع زميلاتها بشراء جهاز للعرض يتناوبن على استخدامه، بسبب تلف الأجهزة القديمة أو تعرضها للعطل.

أما زميلتها أ. المرزوقي فلا تجد مهرباً من الاعتماد على راتبها في تصوير أوراق الامتحانات، وشراء ملفات للطالبات وقرطاسية للغرفة المخصصة للغة الإنجليزية، وذلك بحسبها تخفيفاً على أولياء الأمور ممن يتذمرون على الدوام من طلبات المدارس، «فنُضطر لتوفير كل ذلك من رواتبنا».. ولا يقف الأمر عند هذا الحد.

حيث تؤكد زميلتها «أ. علي» أن الأنشطة اللاصفية تستنفد الجزء الأكبر من الراتب كالفعاليات والمناسبات، فتجمع المعلمات مبالغ لشراء كل ما يلزم وتزيين ممر المدرسة والمدخل، وحول إلزامهن بذلك تؤكد «نحن نحتفل بتلك المناسبات بدافع وطني وديني، ولكن ذلك لا يمنع إدارة المدرسة من التكفل بتمويل تلك المناسبات مادياً، باعتبارها تأكيداً على الهوية الوطنية والثقافة الدينية للمجتمع، والاحتفال بها ضرورة تربوية».

لا تكترث «أ» المرزوقي بالمبالغ التي تصرفها كل ما يهمها توفير بيئة تعليمية محفزة للطالبات، ولا تدخر مالاً لشراء الهدايا التشجيعية للطالبات بالتعاون مع زميلاتها المدرسات، وتؤكد أن المبالغ التي توفرها إدارات المدرسة أحياناً غير كافية، كما تعتبر اللجوء إلى الإدارة لتصوير الأوراق حكاية تبدأ فصولها ولا تنتهي عبر إجراءات مطولة.

الحضانة

تروي «ش. المنصوري» حكاية تأسيس حضانة داخل أسوار المدرسة: «لم أستطع ترك ابني الصغير في المنزل برفقة الخادمة، وبدافع حب العمل اقترحت على مديرة المدرسة تخصيص غرفة حضانة لأبناء المعلمات، وتمت الموافقة وتسلمنا الغرفة، وبجهود جماعية قمنا بجمع مبلغ لصبغ الغرفة وتأثيثها وتوفير التمديد الصحي والكهربائي، بتكلفة تزيد على 5000 درهم، كما أننا استقدمنا خادماتنا الخاصات للإشراف على الأطفال».

وتؤكد المعلمات أن غرفة الحضانة شكلت لهن ضرورة لاستقرارهن الوظيفي حيث يزرن أولادهن باستمرار خلال اليوم الدراسي، رغم العبء المادي الكبير، وأصبحت مشروعاً يلقى كل الإشادة أمام الزوار رغم أنه قائم بجهود ذاتية.

في إحدى رياض الأطفال، تبدو الصورة أكثر إشراقاً، وحال «راتب» المعلمات أفضل نسبياً، «س. موسى» معلمة روضة أولى، تقول إن إدارة الروضة ملتزمة بسداد أي مبلغ تنفقه المعلمات على الأنشطة المدرسية بشرط إرفاق الفاتورة، إلى جانب ذلك توفر إدارة الروضة أجهزة لتصوير الأوراق والتغليف الحراري للوسائل والأنشطة التعليمية كبادرة لتخفيف الأعباء عن المعلمات وترشيد الإنفاق عبر توفير الأجهزة اللازمة دون الحاجة للاستعانة بالمكتبات الخارجية.

أما فيما يتعلق بهدايا الأطفال فتقول: «لا تتكفل الإدارة بشراء هدايا الأطفال وتعتبرها غير مشمولة بالالتزامات، وتعتبر تلك اختيارات شخصية على المعلمات التكفل بها».

معلمة الفصل هي الأكثر تأثراً بتلك الأعباء المادية، ففي المراحل التأسيسية الحاجة إلى الوسائل التعليمية والأنشطة أكبر، وبالرغم من كل ما يتم دفعه تبقى هناك حاجة لإعادة النظر في توفير مستلزمات الطالب والمعلم، م. الحمادي ـ معلمة فصل ـ تقول الإدارة لا تتكفل بدفع أي مبلغ .. العام الماضي تم تخصيص 300 درهم لكل فصل .. وهو فعلياً مبلغ غير كاف .. فنحن نتحدث عن فصل يضم 24 طالباً في المرحلة التأسيسية، وكل منهم بحاجة إلى ملفين، ومعظم أولياء الأمور لا يلتزمون بشرائها ونُضطر نحن لشرائها لهم».

وأكدت أن إدارة المدرسة لا تلتزم بتصوير الأوراق أو طباعة الوسائل التعليمية، وإن وجدت فإجراءاتها طويلة وأعطالها كثيرة.

وتؤكد الحمادي أن معلمات الفصل مطالبات بالاهتمام بالبيئة الصفية والوسائل التعليمية وكل ذلك غير متاح في ظل عدم وجود دعم مادي من الإدارة، وفي أسوأ الأحوال نُضطر للبحث عن مصادر أخرى «لقد بحثت عن دليل المعلم خارج المدرسة، لأن الإدارة لم توفره لنا.. «وفي ظل البحث عن دليل المعلم يبقى أمر الوسائل التعليمية هيناً».

اقتراح

أجمعت المعلمات على ضرورة تخصيص مبلغ 2000 إلى 2500 درهما للمادة الواحدة، بحيث يتم صرفه على تصوير أوراق العمل والامتحانات، ومكافأة الطالبات أو شراء الهدايا لتشجيعهن على أداء أفضل، أو تنظيم الحفلات والأنشطة واستقبال الضيوف، وكل ذلك يخفف العبء عن كاهل المعلمات ويوجه إنفاق الميزانية المخصصة للمدرسة بطريقة صحيحة. كما اقترحن تخصيص مبالغ أخرى لإدارة الأنشطة عبر التخطيط المناسب لها.

أمل الفلاسي