يكنى بأبي حميد، يقترب من السبعين عاما، قضى جلها في رحاب البحر.. جارهم الأبدي، ومعينهم الأزلي في الكد وتوفير المعاش، فهو مصدر الرزق كما هو مصدر العلم والخبرة الملهمة. عرفته الأوساط التراثية كمعلم وراو لعلوم البحر، وكرمته دائرة الإعلام والثقافة بالشارقة عن فئة الرواة المرجعيين لاحتفاظه بذاكرة غنية وحية يشهد بها على عقود من الأحداث والحكايات والتجارب.

تزدحم جعبة الوالد جمعة بن حميد بن خلفان الذهنية والنفسية والتاريخية بتجارب لا تعد ولا تحصى، وكلها مغانم خالدة يخرج المرء منها بعبرة ومعلومة ودرس ليس له معلم وليس له كتاب في وقتنا الحاضر إلا صدور الشيوخ من أمثال أبي حميد.

عشرات الزيارات لن تكفي لاستخراج ما تضمه ذاكرته الأسطورية، من خبرات مختلفة ومتنوعة، خاصة أنه من جيل المعاناة التي يصفها بالقسوة لكنه أيضا يصفها مؤكدا.. بالجمال.

يقول أبو حميد: أنا من زمن الجد والجهد، وهو زمن الاعتماد على الذات، وتشكيل الرجال أو صنعهم من الطفولة والصغر، ليتحملوا مسؤولية إنشاء بيت ورعاية أسرة. وما سأسرده هنا هو تجربة حدثت معي شخصيا وأنا في حدود العشرين أو الحادية والعشرين من عمري، عندما أصبت بمرض جلدي يسمى (قرح بوسريويل) وهو عبارة عن تقرحات تمتد من القدم حتى الأوراك، مصحوبة بحكة متواصلة شديدة، كانت تعطلني عن مزاولة أي نشاط في النهار وتمنع عن عيوني النوم في الليل. وأعيت حالتي الوالدة رحمها الله، ولم تترك عشبة تعرف استخدامها أو من وصفات نسوة الحي إلا وجربتها حتى تلك التي تشك في خطورتها كانت لا تتوقف أمام ترددها كثيرا.

لكن كل تلك المحاولات كان حليفها الفشل، لكنه من جهة أخرى كان الإلهام الذي أشعل قرائح نسوة الحي لابتكار خلطات مختلفة حجزت لها مكانا على رف التركيبات الغريبة بلا منازع، وجعلنني بها فأر تجاربهن المستسلم والمستعد لأي محاولة لعلها تكون الناجعة فتوثق مبتكرتها حق السبق، ويتحقق لي الشفاء. ومع ذلك لم تلحظ الوالدة أدنى درجة تحسن، بل كان الوضع يتفاقم ويؤثر على بنيتي كاملة حيث استمر المرض شهورا عدة.

كنت قد هجرت خلالها البحر، كما هجرت فراشي طلبا للرمل الخشن التمس به المساعدة في الحك أو الهرش، حتى حدث ذلك الموقف، حين دخلت إلي كلبة ذات لون أسود من فتحة في حوش البيت، الكلبة معروفة في الحي وكنت أعرفها، فتجاهلت دخولها لأني كنت أكابد مشقة الهرش بأظافري المجهدة، لكنها اقتربت مني وأخذت تلعق بلسانها الخشن قدمي، ومع ما تسرب إلي من شعور بالراحة من الحك بما يشبه الجرش كان لابد أن أمنح يدي لحظة استراحة، فاستسلمت بوداعة للخشونة اللذيذة على قدمي، فلم أجرؤ على الحركة لكي لا أفقد تلك المساعدة الطوعية.

وكأنه الهام سري تركت نفسي لها، وكانت تنبعث رائحة كريهة من شدة القروح المتقيحة، حين انتهت من لعق قدمي تابعت لأعلى الساق حتى جاءت على كامل التقرحات في نهاية الفخذ. ولأول مرة منذ ليال طويلة أعرف النوم في الليل حتى الصباح بعد تلك العملية الغريبة. ويشهد الله أنه لم تكد تنقضي ثلاثة أيام إلا وكانت التقرحات قد اختفت ولم يبق لها من أثر. ولأول مرة من أشهر على اعتزالي البحر أعود إلى خوض غماره.

لقد شفيت تماما بفضل الله سبحانه. لكن كيف ولماذا فعلت الكلبة ذلك؟ وكيف تم الشفاء؟ علم ذلك وحده عند الله.