إنها زيارة للسجن المركزي التابع للإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية الواقع بمنطقة العوير في دبي، وقد تم تحديد العاشرة صباحاً موعداً للقاء المسؤولين هناك.. بمجرد الدخول من باب الزوار الخارجي، كانت سيارة خاصة تنتظرنا عند المدخل، على الفور انتقلنا إلى السجن المحاط بكافة مسميات الأمن والحداثة، وعبر البوابات الإلكترونية سرنا إلى داخل السجن.

مقصدنا كان الملازم محمد عبدالله العبيدلي.. وطريقنا للوصول إلى مكتبه لا بد أن تمر من خلال مكتبة السجن الغنية بمئات الكتب.. عن اليمين والشمال يتوزع عشرات المساجين أو «النزلاء» كما يصطلح على تسميتهم، يقرأون ويطالعون الكتب في ثقة لم نتوقعها.

«السلام عليكم» كانت جملة البداية مع الملازم العبيدلي، الذي وقف مرحباً، وإلى جانبه يجلس أحد النزلاء.. أشار إليه معرفاً: زميلك الإعلامي علي عبدالله، أحد النزلاء لدينا.. «أهلاً وسهلاً» كلمة متبادلة بيننا بلا ملامح للدهشة، لأن الثقة تظلل المكان بكافة تفاصيله.

علي «سجين» ومحمد «سجان»، والهيئة لا توحي إلى سجن كما هي الصورة النمطية المستوحاة من عديد التجارب العربية والعالمية.. يجلسان معاً في مكتب صغير، وتكاد تختلط عليك المسميات لولا الزي المختلف الذي يرتديانه، فمحمد الثلاثيني في عمره يحمل مسمى الضابط الملازم بـ «دريس» العسكرية، وعلي الأربعيني يقترن اسمه بـ «السجين» بزي النزلاء الأبيض.

محمد وعلي يشربان الشاي «السليماني» معاً، ويتبادلان أطراف الحديث في شؤون الحياة المختلفة، وفي بعض ما يخص النزلاء من مبادرات تدخل في خانة العمل والإبداع والرفاهية.. لا سلاح مصوب نحو «السجين» ولا «كلبشات» حديدية تحيط في يدي علي أو تقبض على رجليه.. «السجين والسجان» يجلسان بثقة احترام الإنسانية، فيما الابتسامة تتقاسم وجوه الاثنين.

سلاح

في القاعة الملاصقة لمكتب الملازم محمد، يتوزع عشرات النزلاء الباحثين عن الكتب، وخلف جهازي الحاسوب يجلس شرطيان يسجلان بيانات الإعارة للنزلاء.. لا مظاهر لافتة لسلاح متحفز في حضرة «المساجين»، طالما أن ثقافة التعامل السائدة تنطق بلغة الإنسانية، التي لا تفرق بين مواطن أو غيره، ودين أو آخر أو سواها من المتغيرات المجتمعة خلف أسوار السجن المركزي في دبي.

علي عبدالله «السجين»، وهو إعلامي إماراتي ساقه القدر إلى السجن قبل بضعة شهور بسبب قضية مالية، يعتبر أن «السجين والسجان»، من المصطلحات القديمة، وهي لغة لا توافق الواقع الحالي.

مشيراً إلى أن بيئة السجن تتغير إيجاباً في استثمار طاقات السجين الإبداعية، من خلال عدد من البرامج الرياضية والتأهيلية والحرفية، لكنه يؤكد أن السجن يبقى ومهما كان واقعاً غير مرضٍ لكل من يعانده الصواب فيجد نفسه خلف القضبان.

خوف

جميل أن تتشكل في أذهان البشر هالة من الخوف والرهبة من السجن، كما يرى علي، حيث إنه من الواجب على إدارة السجن أن تبقي على حاجز الندم والخوف من السجن قائماً، وإذا ما انكسر هذا الحاجز أصبحت الكرة في منطقة ضيقة من ملعب «السجان»، حيث من الواجب على الطرف المقابل فرض واقع من الأخذ والجذب، بحيث يخرج النزيل بلا أدنى رغبة أو لا مبالاة في العودة مجدداً.

ويضيف أن السجن يبقى المكان الوحيد الذي يحتفظ بثقافة «لا أهلا ولا سهلا» بكل من يغادر بابه، وذلك كما يقول علي واقع ملموس في سجن دبي المركزي، خاصة وأن إدارة السجن تفرق تماماً بين المعاملة الإنسانية وثقافة الردع للمخالفين التي تتخذ أشكالاً كثيرة، لذلك فلا سجين يود البقاء في موقعه، وإن كانت العلاقة بين الطرفين تسير وفق أرفع درجات الثقة والاحترام المتبادل.

رفاهية

الملازم محمد عبدالله العبيدلي، وهو رئيس قسم البرامج التعليمية في إدارة تعليم وتدريب النزلاء، يؤكد أن «رفاهية السجن» لا يمكن أن تُجسد وتترك هكذا، فالسجن جهة تنفيذية لحكم القضاء، وفي فترة التنفيذ يتولى القائمون على شؤونه «السجانون» في العرف العالمي، مهمة إعادة تأهيل النزيل تبعاً للقضية المسجلة لديه، سواء كانت مخدرات أو سرقة أو شيكات أو قتل أو اغتصاب، حيث لكل قضية خصوصية مختلفة، لذلك تجد النزلاء معزولين في عنابر مختلفة بحسب قضية كل منهم، وحتى المرضى يعزلون في مكان خاص.

دور السجن كما يؤكد العبيدلي يتحدد في شغل وقت فراغ النزيل بما هو مفيد، بحيث لا تتاح إمكانية التفكير أو الولوج إلى جرائم أخرى بحكم الفراغ الذي يعيشه النزيل، ومن أجل ذلك وفرت إدارة السجن الكثير من ملامح التواصل مع العالم الخارجي، فإلى جانب وجود برنامج رياضي متكامل، يوفر السجن لنزلائه في مختلفة العنابر تلفزيونات وقنوات فضائية عادية ومشفرة، وطاولات تنس و«بيبي فوت» و«بلاي ستيشن».

جزرة

غير ذلك توفر إدارة السجن لنزلائه، هاتفاً يعمل على مدار الساعة، وتلك ميزة انفرادية تحسب لدبي، علاوة على الزيارات الرسمية المحددة بأيام من الأسبوع، والخاصة التي يطلبها النزيل، وفي جانب العمل في منشأة الحرف لا يوجد هناك قرار إجباري للنزلاء والأمر متاح لمن يرغب، وكذلك بالنسبة للدورات التأهيلية المختلفة، كما يوضح الملازم محمد العبيدلي.

ما سبق يمثل «الجزرة» في عرف العلاقات بين بني البشرة، أما «العصا» فتظل حاضرة في حال تسبب النزيل في مشكلات أو مضايقات أو إزعاج، وتتلخص أوجه استعمالها في حرمان النزيل من الامتيازات سابقة الذكر، وعلى سبيل المثال فإن من يحرم من الزيارة وحدها تجده في حال صعبة بحيث يبدو وكأنه محروم من الإفراج.

إذاً، تظل علاقة «السجين والسجان» في أصعب أحوالها تدور في فلك احترام الإنسان كإنسان، وعدم تعريض آدميته لأي أذى، فالسجن بكافة أقسامه يخلو من كثير من المسميات السلبية، مثل الضرب والعزل الانفرادي المؤذي للنفس أو التعذيب أو ما سواه.

انفرادي

فقط من يخالف نظم وتعاليم إدارة السجن، ينقل إلى العزل الانفرادي، ويحرم من الزيارات والاتصالات باستثناء التلفاز، وفي مفارقة يؤكدها العبيدلي فقد أقدم خمسة من النزلاء على طلب زنزانة العزل الانفرادي باختيارهم، وذلك من أجل التفرغ لحفظ القرآن الكريم بعيداً عن إزعاج العنابر، لاسيما وأن حفظ كتاب الله يعفي النزلاء البقاء في السجن.

بقي أن نقول إن الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية في دبي، لا تقبل الحديث بغير مسمى «نزيل»، وترفض وصف «سجين»، من باب أن الشخص ينزل في السجن فترة محددة ثم يغادر، تماماً كما هو واقع الفندق، وهو مصطلح ذو وقع إيجابي داخل السجن وفي المجتمع الخارجي.. تلك القناعة وحدها تقود إلى حقيقة اندثار صيغة قديمة، ربما لم تعد توافق الحال في دبي، إنها «السجين والسجان».

دبي ـ عنان كتانة