تعتبر مهنة التمريض الضلع الثالث والأكثر أهمية في منظومة الخدمة الطيبة التي تتكون من الطب والتمريض والصيدلة، الأمر الذي يجعلها من أنبل المهن الإنسانية.
ونظراً لاقتراب الوثيق من حالة المريض، فقد أطلق العرب على من يعملون في هذه المهنة لقب «ملائكة الرحمة» لمساهمتهم الكبيرة في التخفيف عن المرضى والجرحى، وتهدئة نفوسهم، إلا أن هذه المهنة لا تزال تعاني من هجران المواطنين لها، وذلك لأسباب عديدة أهمها يكمن في طبيعة النظرة الاجتماعية لمهنة التمريض. وقد بينت إحصائيات وزارة الصحة الأخيرة أن مجموع عدد المواطنين العاملين في مهنة التمريض قد وصل خلال العام الجاري إلى 759 مواطنا ومواطنة من أصل 23433 ممرضاً يعملون في الدولة، الأمر الذي يدلل على مدى ضعف إقبال المواطنين على هذه المهنة.
كما أشارت هذه الإحصائيات إلى أن 75% من العدد الإجمالي للممرضات في وزارة الصحة حاصلات على دبلوم التمريض، في حين أن 24% منهن حاصلات على شهادة البكالوريوس في التمريض، وخمسة حاصلات على درجة الماجستير، وواحدة فقط على شهادة الدكتوراة في التمريض.
وكانت دراسات المشاركون في برنامج «القيادة من اجل التغير للممرضات المواطنات» والذي أنهى أعماله مؤخرا قد سلطت الضوء على ابرز الأسباب التي أدت إلى حدوث فجوة كبيرة بين المواطنين ومهنة التمريض، مما جعلها من المهن الدنيا في ترتيب سلم المهن.
ولذلك فقد ارتأينا في تحقيقنا الاقتراب أكثر من مهنة التمريض والوقوف على أسباب العزوف عنها من خلال العاملين فيها.
قلة الوعي
بدايتنا كانت مع نوره السعدي، نائبة رئيس قسم التمريض في شرطة دبي، والتي قامت بالتعاون مع عبد الله النعيمي، رئيس قسم مزاولة مهنة التمريض في وزارة الصحة، وعبيد الجنيدي، رئيس قسم التمريض في القوات المسلحة، ورئيس جمعية التمريض الإماراتية، وأمنه الغيلاني، رئيس قسم التمريض والعمليات في مستشفى البراحة، بإعداد دراسة شاملة حول أسباب عزوف المواطنين عن مهنة التمريض.
وحول ذلك قالت نوره: «خلال مشاركتنا في برنامج القيادة من أجل التغير حاولنا رصد مجموعة من الأسباب التي تقف وراء عزوف المواطنين عن التمريض، وقد خلصنا في دراستنا الى ان عدم توفر دراسة التمريض للطلاب في المدارس والكليات والجامعات الحكومية في الدولة.
من أهم هذه الأسباب وذلك لان الطالب أصبح ينظر إلى هذا التخصص على انه مكلف ماديا كونه لا يتوفر إلا في التعليم الخاص، وبالتالي فالتوجه نحو تخصصات أخرى قد يبدو مجديا أكثر من التمريض.
وهذا الأمر أدى إلى قلة المعلومات المتاحة عن هذه المهنة وما يمكن أن توفره من مزايا وفرص مقارنة مع المهن الأخرى، إلى جانب ان قلة برامج التوعية بمهنة التمريض لعبت دورا مهما في ابتعاد المواطنين عنها، خاصة وان المهنة قد ربطت اجتماعيا بفكرة ان التمريض مهنة النساء فقط ولا يمكن للرجال العمل فيها.
وبالطبع هذا زاد من العجز في مهنة التمريض، الى جانب ان الصورة السلبية لدى الشباب عن مهنة التمريض كفرصة للتقدم الوظيفي قد تسهم في الاحجام عن التمريض كمسار مهني، وهذا دعاهم الى البحث عن مهن اكثر جاذبية».
وترى نوره السعدي بأن الحل يكمن في تشجيع طلبة المدارس على الالتحاق بمهنة التمريض، وطرح برنامج التمريض في الجامعات بحيث يكون له خصوصية ولا يلحق بتخصصات أخرى، على أن تكون الدراسة مجانية، إلى جانب فتح باب القبول أمام معاهد وزارة الصحة، وفتح مجال الابتعاث الخارجي لمن يريدون دخول هذا التخصص.
تدني الرواتب
ومن جهتها قالت أحلام الدرمكي، رئيسة قسم الحوادث والطوارئ في مستشفى الفجيرة الحكومي: «أعمل في هذه المهنة منذ عام 1998، ومن خلال خبرتي في هذا المجال وجدت ان هناك العديد من الأسباب المهنية التي ساعدت على عزوف المواطنين عن التمريض، وهي تعود إلى انخفاض الرواتب، والعمل بخلاف المسمى الوظيفي، وعدم وجود تأمين صحي في وزارة الصحة للممرضين والممرضات، وعدم وجود علاوات بدل خطر خاصة وان الممرض يصادف أثناء عمله حالات مرضية صعبة وخطرة، وعدم وجود ترقيات.
على الرغم من الدورات التدريبية التي ندفع لها من جيوبنا الخاصة، إلى جانب الأعباء الوظيفية العالية التي تفرضها المهنة حيث تتطلب احيانا العمل لساعات طويلة خاصة وانها تعتمد على نظام المناوبات»، وأضافت: «على الرغم من تحسن النظرة المجتمعية للمرض إلا أن آثارها لا تزال تهيمن على هذه المهنة، فما زال هناك العديد من الشباب والفتيات الذين يصنفون التمريض على أنه من المهن المتدنية، وذلك لعدم وجود التوعية الكافية والتي توضح أهمية التمريض، وطبيعة عمل الممرض الصحيحةلالا، وأشارت الدرمكي إلى أن دراستها بينت أنه في الفجيرة بين عامي 2003 و 2008 كانت نسبة المعينات الجدد 6% في حين نسبة المتسربات 9%.
وأكدت بأن هذا التسرب يفقد الدوائر الصحية والمستشفيات الخبرات الموجودة لديها ويزيد من العبء الملقى على كاهل طاقم الممرضين القدامى، حيث يتطلب منهم العمل على تدريب الممرضين الجدد وهو ما يستغرق وقتا طويلا، يمكن اختصاره لو تم توفير تأمين صحي وترقيات وعلاوات وتعديل الرواتب للمرضين.
وأكدت الدرمكي أن ضرورة تواجد المواطنين والمواطنات في هذه المهنة، لقدرتهم على التفاهم وإدخال السكينة على نفوس المرضى لإتقانهم اللغة العربية ومعرفتهم التامة بطبيعة المجتمع الإماراتي، وأشارت إلى ان ابتعادهم عن المهنة سيفتح المجال امام الممرضات الآسيويات للسيطرة عليها.
منح دراسية
ومن جهتها قالت الدكتور موزه صويلح، رئيس قسم التمريض في جامعة الشارقة: «هناك إقبال ضعيف من المواطنين على دراسة التمريض وذلك لأن البعض يعتبرها مرهقة ماديا، فقبل عامين تقريبا كانت دراسة التمريض مجانية للمواطنين، ولكن حاليا يدفع المواطن 50% من مصاريف الدراسة، وهذا بلا شك أدى إلى ضعف الإقبال عليها خاصة وان لمهنة التمريض نظرة اجتماعية دونيه.
أما السبب الأخر فهو مرتبط باللغة الانجليزية، حيث يفضل البعض دراسة التخصص بالعربية لضعفهم في الانجليزية، ولكن يمكن التغلب على هذه المشكلة عبر تكثيف الدورات».
وأشارت إلى انه يجب البدء بتنفيذ حملات توعية شاملة لطلبة المدارس والأهالي لتعريفهم بمهنة التمريض، وأهميتها في المجتمع واقترحت بأن يتم إدخال التمريض ضمن الأنشطة المدرسية لتقريب الطلبة من هذه المهنة الإنسانية، ودعت د. صويلح إلى ضرورة قيام جميع الوزارات والدوائر الصحية بتخصيص منح دراسية للمواطنين لدراسة التمريض، لان ذلك سيساهم في تقليص الفجوة التي يعاني منها قطاع التمريض في الدولة.
غسان خروب

