كان الوقت صباحاً عندما حططت رحالي في حرم مدرسة الاتحاد الخاصة - الممزر، ورغم التزام جميع الطلبة في صفوفهم ودروسهم، إلا أن أجواء الانتخابات كانت قد سيطرت على المكان، فلم يترك الطلبة المرشحون لانتخابات مجلس الطلبة مكاناً دون أن يعلقوا فيه لافتاتهم وشعاراتهم التي حملت بين طياتها أهدافهم وتطلعاتهم، لم تدم جولتي بين اللافتات طويلا حتى دق جرس المدرسة معلنا خروج الطلبة إلى ساحات المدرسة في فسحة قصيرة هيمنت عليها التجمعات الطلابية حول المرشحين الذين اجتهدوا لتعريف الآخرين ببرامجهم الانتخابية.
لقد أشعرتني هذه التجمعات بجو من الديمقراطية، وكأنني أعيش أجواء انتخابات برلمانية وليست مدرسية، وقد قادني ذلك إلى التفكير في إمكانية تحول هذه الأجواء إلى مقدمة لتعليم الطلبة أصول الحياة البرلمانية بكل حيثياتها، خاصة وان الدولة قد مرت بهذه التجربة إبان انتخابات المجلس الوطني التي مثلت مقدمة لتكريس ثقافة الانتخابات في المجتمع الإماراتي.لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها حصة الهاوي في انتخابات مجلس الطلبة، فهي المرة الثانية، وحول ذلك تقول: حبي للمدرسة كان الدافع الأساسي لمشاركتي، إلى جانب أنني أرى في نفسي القدرة على الوصول إلى رئاسة المجلس، فإلى جانب كوني وسيطة بين الإدارة والمدرسة، فدخولي إلى المجلس يعطيني القدرة على إحداث التغيير، خاصة وانني المس من خلال تعاملي مع الطالبات بأنه لا أحد يستمع إلى مشكلاتهن وتواصل الهاوي بقولها ان دخولها إلى المجلس يعلمها أساليب القيادة وطرق التعامل مع الآخرين وغيرها من القيم.
من جهتها، ترى رشا سفاريني أن هذه الانتخابات تمهد بالفعل لإقرار الحياة البرلمانية في المجتمع، خاصة وإنها تعطي الطلبة فرصة التحدث للآخرين والاقتراب منهم والتعرف على مشكلاتهم ومشاركتهم نشاطاتهم، الأمر الذي يكسب المرشح جرأة أكثر ويعلمه أصول القيادة، ومن هذا الباب جاءت مشاركتها في الانتخابات، وتقول انه بحكم معرفتها بالطالبات ومشكلاتهن، فدخولها إلى مجلس الطلبة سيعطيها الفرصة لإيصال أصواتهن ومطالباتهن إلى إدارة المدرسة.
قيادة المجموعات
نظرة فاطمة جعفر إلى الانتخابات كانت أوسع من نطاق المدرسة، حيث قالت: بعد تخرجي من المدرسة سأدخل الجامعة وبالتأكيد سيكون الوضع فيها مختلفا، حيث تسيطر عليها سمة العمل الجماعي في كل شيء، ومشاركتي في انتخابات مجلس الطلبة حاليا، ستمكنني في المستقبل من قيادة المجموعات سواء في الجامعة أو حتى الحياة العملية.
ومن جهة أخرى لا تنكر فاطمة بأن ما يجري في أروقة مدرستها حاليا يعطيها فكرة أوضح عن طبيعة العملية الانتخابية والترشيح وكذلك الحياة البرلمانية، وتواصل فاطمة: لقد حظيت بتشجيع كبير من معلمتي أروى، وكذلك والدي الذي يمتلك خبرة عالية في هذا المجال، حيث أكد لي بأنه سيفيدني كثيرا في المستقبل.
لم تعتمد ريم سويدي أثناء ترويجها لبرنامجها الانتخابي على تقديم الوعود لزميلاتها، إنما اعتمدت على كلمة «سأحاول»، وذلك لأنها تعتقد بأن عدم التزام الشخص بالوعود التي يقدمها سيؤثر عليه في المستقبل، وتروي لنا إنها اختارت عناصر برنامجها الانتخابي بناءً على الشكاوي التي تسمعها من الطالبات، ولهذا السبب فهي ترى في مجلس الطلبة محاولة جيدة لإيصال أصواتهن لإدارة المدرسة، وتؤكد على أنها لن تتمكن من تحقيق برنامجها الانتخابي دون مساعدة الطالبات أنفسهن، في المقابل تتمنى أن تعمم هذه التجربة على المدارس الأخرى، لما فيها من تنظيم للعلاقة بين إدارة المدرسة وطلابها.
فرصة للتعبير
في قسم البنين التقينا بعدد من المرشحين الذين أعربوا عن شغفهم بهذه التجربة، حيث قال حارث حمد المدفع: مشاركتي في الانتخابات كانت لشعوري بالقدرة على إحداث التغيير في المدرسة وتخليصها من السلبيات، وحاولت خلال فترة الدعاية الانتخابية تعريف لزملائي الطلبة بطبيعة برنامجي الانتخابي وأهدافي، بأن أجعل من المدرسة بيئة مثالية للإبداع والتميز، إلى جانب مد جسور التواصل بين الإدارة والطلبة، وحول إذا ما كانت الانتخابات مفيدة للمستقبل، قال حارث: في تقديري ان الانتخابات وما يصاحبها من دعاية ثقافة.
وقد بدأنا في الإمارات بتعلم هذه الثقافة خاصة وأنه سبق لنا المرور بهذه التجربة على مستوى الدولة في المجلس الوطني الأخير، واعتقد انني كنت محظوظا في تلك الانتخابات حيث تمكنت إبانها من حضور معظم المحاضرات والندوات التي قدمها مرشحو المجلس الوطني آنذاك.
وكذلك يوم انتخابات المجلس الوطني، وقد استفدت كثيرا من ذلك في عملية ترشحي للانتخابات مجلس الطلبة من حيث وضع الأهداف والدعاية الانتخابية وطرق عرض البرنامج الانتخابي، لأن ما يجري لدينا حاليا يشبه إلى حد كبير ما جرى في انتخابات المجلس الوطني، ويواصل: بغض النظر عن الفوز أو عدمه في الانتخابات يمكن القول بأنني استفدت أكثر بتعلم طرق القيادة وتعزيز ثقتي بنفسي من خلال تواصلي مع الآخرين.
عبدالله علي خلافي خاض الانتخابات للمرة الثالثة على التوالي، وذلك لرغبته بإحداث تغيير وترك بصمته في المدرسة، خاصة وانه أصبح على أبواب التخرج منها، ويشير أن أكثر ما استفادة من هذه العملية هو كيفية إقناع الآخرين إلى جانب طرق التواصل معهم، وقيادة المجموعات.
وأشار إلى أن الأمر أصبح مختلفا هذا العام حيث يمتلك كل طالب فرصة للتعبير عن نفسه، واختيار ما يراه مناسبا، وهذا يعطي نوعا من الديمقراطية، خاصة وان المجلس كان في السابق يتم عن طريق التعيين وليس الانتخابات، ويرى بأن هذه الانتخابات تعتبر عملية إعداد للمستقبل وتدريب على الحياة البرلمانية.
بروفة لانتخابات برلمانية
في جولتنا كان لزاما علينا استطلاع رأي إدارة المدرسة للتعرف على وجهة نظرهم في الانتخابات، وإذا ما كانت تشكل تمهيدا لخلق ثقافة برلمانية لدى الطلبة، وحول ذلك قالت منى الجسمي، مدير عام المدرسة: ندرك تماما أن الانتخابات ثقافة وممارسة عامة يجدر بالجميع ممارستها وتعلمها، ولذلك فقد ارتأينا في المدرسة تعليم وتربية الطلبة على هذه الممارسة حتى يتمكن من فهم كيفية العملية الانتخابية وما يصاحبها من دعاية وتعريف وغيره.
والطالب في مجتمعه يعرف أن هناك مجلسا وطنيا، ولكن لا يوجد معرفة كاملة حول الكيفية التي تمت فيها هذه العملية، وذلك بحكم العمر الذي لا يعطيهم الفرصة للتعرف على الحياة السياسية، ولذلك وجدنا انه يجب أن يكون لدينا تنشئة سياسية مبسطة، وأردنا إيجادها من خلال ممارستها وخوضها في انتخابات مجلس الطلبة، الذي يمثل مجتمعا بسيطا وهو المجتمع المدرسي بكل ما فيه من طموحات وممارسات.
وأضافت: اعتقد ان هذه الانتخابات تمثل البذرة الأولى نحو تعويد الطالب على طبيعة الحياة البرلمانية، خاصة وان الممارسات البرلمانية والسياسية في المجتمع الخليجي أخذه بالتغير والتوسع، وإقرارنا للانتخابات في المدرسة يعطي الفرصة للطالب لممارسة دوره في المجتمع وإدخاله في منظومة جديدة، والتي ستساهم في تكوين الفكرة والوعي الكامل لدى الطالب عند خروجه إلى الحياة العامة.
ورش عمل
وأشارت الجسمي إلى انه ومن اجل تكريس هذه الثقافة لدى الطلبة، عمدت إدارة المدرسة إلى إعطاء الطلبة دورات وورش عمل، يتم فيها مناقشة الطلبة حول هذه العملية، بحيث تعطيهم تصورا كاملا حول العملية، وأكدت على أن إدارة المدرسة تحاول سنويا الارتقاء في هذه العملية بدراسة بالاستفادة من التجارب السابقة، وذلك حتى تصبح هذه التجربة أكثر نضجا من ذي قبل.
وأضافت الجسمي: لقد شعرنا في بداية تطبيق هذه الفكرة قبل أربع سنوات تقريبا بأنها كانت غريبة وبعيدة عن وعي الطلبة، ولكن مع مرور الوقت اختلف الوضع وأصبح الطلبة يدركون بأن الفكرة قادرة على إحداث التغيير على الرغم من بساطتها، ولهذا أصبحنا نلمس تفاعل الطلبة معها وشغفهم فيها.
ومن خلال هذه التجربة بدأنا بالتعرف على الطلبة ممن يمتلكون عنصر القيادة، ولذلك حاولنا من خلال مجلس الطلبة وحتى برلمان الاتحاد المخصص للطلبة الصغار تنمية هذا الجانب، وصقل هذه المهارات، وندرك تماما انه يجب علينا استثمار طاقات الطلبة خاصة عندما تكون طبيعية لأنها إذا تركت ستهدر دون الاستفادة منها بشيء.
وفي حديثها أشارت الجسمي إلى أنها بدأت تلمس من خلال الدعابات والبرامج الانتخابية التي يقدمها الطلبة أنهم أصبحوا قادرين على فهم العملية ويتلمسون أهميتها بالنظر إلى التجارب السابقة، وأكدت على أن الانتخابات أفرزت نوعين من الشخصيات لدى الطلبة، الأولى التي اعتبرت العضوية تشريف لا تكليف وهذه الشخصية لم تستمر طويلا وسقطت أوراقها بسرعة، أما الثانية التي اتخذتها على أساس انها تكليف، وهذه المجموعة استطاعت أن تؤثر في الطلبة، وزاد لديها حس المبادرة ونمت فيهم العمل الجماعي.
دعوة المجلس الوطني لتبني ممارسات الطلبة البرلمانية
دعت منى الجسمي، مديرة مدرسة الاتحاد الخاصة ؟ المجلس الوطني إلى تبني الممارسات الايجابية التي يقوم بها الطلبة في مدارسهم، خاصة فيما يتعلق بانتخابات مجلس الطلبة، وقالت إن ذلك سينمي في الطلبة القدرة على تصور الواقع والمجتمع الذي يعيشون فيه، إلى جانب تعويدهم على التفكير الايجابي، والنقد وطرق طرح البدائل والحلول، وأكدت على أن مجلس الطلبة ينوي القيام بزيارة ميدانية للمجلس الوطني وحضور واحدة من جلساته، وذلك بهدف التعرف على طبيعة الحياة البرلمانية وحيثياتها.
ومن جهة أخرى، أشارت الجسمي إلى اهتمام إدارة المدرسة بتعليم الطلبة منذ صغرهم أصول الحياة البرلمانية، ولذلك عمدت المدرسة إلى إنشاء برلمان الاتحاد والذي يضم طلبة القسم الابتدائي، وذلك بهدف تعليمهم أهمية العمل البرلماني والمناقشة وطرح القضايا التي تخصهم، وأكدت الجسمي على أن هذا البرلمان والذي يشكل مرحلة تمهيدية قبل دخول مجلس الطلبة قد ساعد إدارة المدرسة في التعرف على قدرات الطلبة وإمكانياتهم القيادية.
غسان خروب

