«مدرس فيزياء ثانوي وعلوم ورياضيات للمرحلتين الابتدائية والإعدادية وتعليم الكبار، مستعد لإعطاء دروس خصوصية»، و«مدرس لغة إنجليزية وعربية وباقي المواد ابتدائي وإعدادي، ومحفظ للقرآن».. تلك حكاية قديمة لا تخلو من مفارقات تجسد بعضها كلمات الإعلان، الجديد فيها ملامح الجرأة المتزايدة صعوداً على قرارات وزارة التربية والتعليم، وإدارات المدارس الحكومية والخاصة في وجه دروس خصوصية يقوم عليها «معلمون تحت الطلب».
فقد رصدت «البيان» في يوم واحد ما يزيد على 40 إعلاناً لمعلمين يطلبون الدروس الخصوصية من خلال واحدة من الصحف المحلية، وتحدثت إلى عدد كبير منهم، سعياً منها لوضع اليد على ملامح الخلل التي أفضت إلى تلك الجرأة الصريحة أمام الملأ.وكرد من جانب الوزارة على تفشي هذه الظاهرة في بعض الصحف المحلية أكد علي ميحد السويدي مدير عام وزارة التربية والتعليم بالإنابة، أن نظم وضوابط الوزارة تحظر على أعضاء هيئة التدريس في المدارس الحكومية ممارسة أي نشاط يتصل بالدروس الخصوصية، مؤكداً أنه في حال ثبوت تجاوز أي معلم، فإن ثمة إجراءات قانونية تصل لحد إنهاء خدمات المعلم، وقد سبق أن أنهت الوزارة خدمات ثمانية معلمين ثبت ممارستهم نشاط الدروس الخصوصية.وفي ما يتعلق بنشر إعلانات من قبل معلمين في الصحف وغيرها من الوسائل، يعلنون فيها عن استعدادهم لتقديم الدروس الخصوصية، أضاف: «أستبعد أن تصل الجرأة لدى معلم في المدارس الحكومية إلى حد الظهور بهذا الشكل، لاسيما وهو يعلم أن ثمة إجراءات مشددة، ويدرك موقف وزارة التربية الرافض لمثل هذه الممارسات التي تفرغ رسالة مهنة التعليم من مضمونها».
مدرسون تحت الطلب
وبحسب المعطيات التي تم جمعها من المعلنين، فقد تبين أن جميع المعلمين المستعدين لتقديم خدمات «الدروس الخصوصية» هم من العرب، وغالبهم من الرجال، ونصفهم تقريباً يبحثون عن عمل بعد دخولهم إلى البلد بتأشيرة زيارة، والباقون يعملون في مدارس خاصة وربما حكومية، وبالطبع فقد تركزت جنسيات المعلمين بين المصرية والسورية والأردنية، وهو واقع يوافق الحالة التعليمية القديمة الجديدة في الدولة.
ومن خلال الإعلانات المنشورة في الصحيفة، لوحظ حرص بعض المعلمين على ذكر جنسياتهم، أملاً منهم في استمالة جيوب أولياء الأمور نحوهم، فيما أكد الجميع استعدادهم لتقديم دروس خصوصية لأي طالب من أية جنسية، رغم عدم إنكار البعض أن الإماراتيين مستهدفون بصفة مبالغة من الإعلان.
وأبدى المعلمون معرفتهم بحظر إعطاء الدروس الخصوصية من قبل وزارة التربية والتعليم، لكنهم أظهروا قناعة مختلفة تماماً، لا تخلو هذه المرة من جرأة زائدة، طالما أن الوزارة وهي طرف معني بقطاع التعليم عامة، تعلم أن رواتب الكثيرين لا تتعدى ثلاثة أو أربعة آلاف درهم في مدارس خاصة عديدة في دبي والإمارات الأخرى.
المعلمون بصفة عامة أكدوا أنهم يعانون مادياً إلى الحد الذي يجبرهم على البحث عن مصادر أخرى للدخل، لذلك فهم يسعون نحو الدروس الخصوصية على أمل تحمل أعباء الحياة المادية، موضحين أن رواتب بعضهم في المدارس الخاصة لا تتعدى 3 آلاف درهم رغم سنوات عملهم الطويلة في الدولة، وهو واقع لم يعد مقبولاً لدى «السائق» على حد تعبيرهم.
ومن فحوى الحديث الذي دار بين «البيان» والمعلمين الباحثين عن مصادر إضافية للرزق، تبين أن غالبهم يعايش ظروفاً اجتماعية صعبة، سواء هنا في الدولة أو في بلدانهم، فبينما يصارع البعض الوقت للتعلق بوظيفة تحفظ له إقامة في الدولة، تجد آخرين من المعلمين المقيمين في حاجة مادية ملحة نتيجة وجود عائلات تنتظرهم باحتياجات متباينة، منها طالب الجامعة والمدرسة واحتياجات الزواج وحتى إيجار البيت.
الجدير ذكره أن جميع المعلمين المتزوجين، والمعلنين بحثاً عن دروس خصوصية لا يقيمون في الدولة مع عائلاتهم، معاناتهم دائمة ومتواصلة وحاجتهم مادية صريحة، و«لا حياة لمن تنادي»، كما يعتقدون جازمين.
ظروف صعبة
ذلك الواقع السلبي بمحاوره المختلفة، كان مقصد الحديث مع محمد الماس مدير مدرسة المعارف الثانوية في دبي، الذي بدوره أكد أن ظروفاً صعبة لا تخفى على أحد فرضت على هذه الفئة من المجتمع، التي على ما يبدو تتسلح بحق البقاء للبحث عن الدروس الخصوصية وهي مصادر إضافية لتعزيز الدخل المتواضع، لافتاً إلى أن الكارثة التي لا تهاون معها تكون حينما يستغل المعلم وظيفته لإعطاء دروس خصوصية للطلبة الذين يدرسهم، وهنا تحق العقوبة على أشد درجاتها.
وأضاف الماس أنه قد يظهر بعض التسامح في حال أقدم أحد المعلمين على الدروس الخصوصية لغير الطلبة الذين يدرسهم، وذلك من باب الشعور الإنساني والمهني مع المعلم والطالب،.
دبي ـ عنان كتانة

