الخط هو طريقة ننقل بها معلوماتنا وأفكارنا للآخرين وربما يمكن مقارنته بلغتنا الصوتية، فمن يتكلم كمن يكتب، كلاهما يعبر عن شيء ما، وكما يحسن البعض طريقة الحديث فهناك من يحسن طريقة الكتابة، وعلى الرغم من أن الخط من بين المهارات التي تدرس في مدارسنا وتدخل ضمن مناهجنا الدراسية، إلا أن العديد من التربويين في الميدان يرون أن خطوط الطلبة ليست بالمستوى المطلوب وبعضهم وصفها بالسيئة والبعض الآخر أكد أنها مهارة تتجه نحو الاضمحلال.
في حين أجمعوا على أن غياب الجودة في خطوط الطلبة هي ظاهرة واضحة في مختلف المراحل الدراسية وسببها الأساسي يعود لغياب التأسيس والتهيئة لها منذ المراحل التعليمية الأولى إضافة إلى الدور الذي تلعبه التقنيات الحديثة. ومع تأكيد العديد من العاملين في الميدان التربوي أن رداءة الخط العربي عند طلبة المدارس قد وصلت حد الظاهرة إلا أن ذلك لا يمنع أبداً وجود نماذج مضيئة من طلبتنا يتمتعون برهافة التناول للحرف العربي وحسن التعامل معه وإخراجه على نحو مميز، بما يؤكد أهمية إيلاء حسن الخط الاهتمام المطلوب وتفعيله بين طلبتنا. القلم الالكتروني محمد عيادات موجه أول لغة عربية في وزارة التربية والتعليم رأى أن العامل الأساسي وراء مشكلة خطوط الطلبة يعود إلى البديل الالكتروني وإحلال الكمبيوتر «القلم الالكتروني» محل القلم العادي خاصة على مستوى المراحل الثانوية.
لأن الخط مهارة تحتاج لتأسيس وممارسة لتنمو، فتراجع جودة الخط ارتبط بشكل كبير بالمنافسة مع الواقع الالكتروني الذي نعيشه اليوم، فالطالب اليوم بل حتى الأطفال من عمر 4 سنوات يتعاملون مع الوسائل الالكترونية بشكل واضح. وبالنسبة للمناهج في المراحل العليا هناك ضمن خطة العمل حصة للخط ومساحة يجب أن توفر لتطوير هذه المهارة، ولكن ربما لا تعطى القيمة المبتغاة منها على مستوى التطبيق في الواقع الميداني.
مشيرا إلى أن المراحل التأسيسية هي المعنية بالدرجة الأولى بتطوير مهارة الخط، بينما في المراحل الأعلى تصقل هذه المهارة بالتطبيق من خلال كتابة الأبحاث والتقارير ومحاولة حث الطالب على تنفيذها بخطه بدلاً من طباعتها الكترونيا، وقد وجهنا المعلمين في تلك المراحل إلى حث الطلبة على كتابة مسودة التقرير بخط اليد قبل طباعتها لأنه لا يمكن تكليف الطالب بواجبات كتابية، وإلا سنواجه شكوى من الطالب وولي الأمر أيضا.
ورأى عيادات إمكانية أن يسعى كل معلم لاستثمار حصصه بطريقة تنمي مهارة الكتابة بالتحفيز وجعل جزءاً من الدرجة للطالب الذي يكتب تقريره بخط اليد ويحرص على أن يكون واضحا، كذلك يمكن إجراء مسابقات في جمالية الخطوط، وأكد أيضا أنه ضد فكرة النسخ التي كانت تتبع في السابق والاستعاضة عنها بتكليف الطالب بكتابة فقرات قصيرة وأبيات شعرية تنمي لديه مهارات مختلفة دونما الحاجة للواجبات الكتابية الطويلة، لأن الطالب ينسخ دون تركيز.
خطوط الطالبات أجمل
إيمان عقلة موجهة اللغة العربية بتعليمية أبوظبي رأت أن مستويات الطلبة في الخطوط مختلفة وان كانت خطوط البنات أجمل نظرا لطبيعة الفتاة التي تهتم بالشكل والتنسيق والجماليات، وبشكل عام خطوط الطلبة ليست بالمستوى المطلوب وأنها لمست ذلك حتى في المدارس الخاصة ربما لاهتمامهم الأكبر باللغة الانجليزية بالإضافة إلى عدم كفاءة بعض معلميهم.
وأضافت عقلة أن الوضع الحالي في مناهج الحلقة التأسيسية يعتمد على وجود نموذج للخط في الكتاب وعلى المعلم أن يوظفه بشكل صحيح، ولكن بعض المعلمين يتعامل معها كواجب منزلي، ونوهت إلى أن بعض المعلمات يكتبن بشكل خاطئ لطالباتهن، لهذا طالبت بورش عمل تخصصية للمعلمين في مجال الخط، وعلى مستوى الطلبة بضرورة تخصص حصة أسبوعيا للخط خاصة للمراحل التأسيسية.
واعتبرت أن النسخ سلاح ذو حدين، وأن المشكلة تتمثل في كونه مرتبطاً في ذهن الطالب بأنه أحد أنواع العقاب الذي كانت تطبق في السابق.
العودة لكراسة الخط
محمد علي خليل موجه مجال بتعليمية أبوظبي تحدث في موضوع الخطوط موضحا أن التعامل في الأساس مع الخط كان يعتمد في السابق للمراحل التأسيسية على كراسات الخط التي كانت تأتي منفصلة عن كتاب اللغة العربية ويتم من خلالها تعليم الطالب أساسيات الخط بدءاً بالأحرف وكذلك الجمل بخط النسخ وتتطور إلى خط الرقعة.
ولكن اليوم الاعتماد يتم على الكتاب المدرسي ذاته وتضمين الخط كجزء من تدريبات الدرس، والكتاب المدرسي وسبورة المعلم ليس فيهما أسطر تساعد على توضيح أسس الكتابة للطالب من حيث قواعد كتابة كل حرف، والأمر مرهون بما يقدمه المعلم للطالب ومتروك لاجتهادات الطرفين.
وأضاف أن النماذج الموجودة في مقررات الصفوف من الأول وحتى الثالث غير كافية في ظل غياب حصة الخط، فليس هناك مساحة كبيرة لتقديم الخط كمهارة بأسس علمية، ونجد أن خطوط الطلبة اليوم هجينة بين النسخ والرقعة، لذا يرى خليل ضرورة العودة إلى كراسة الخط للمرحلة الابتدائية ليتعلم منها الطالب الأساسيات، فالخط يجب أن يدرس بإشراف معلم وليس مجرد واجب منزلي للنسخ، وبعد انتهاء الطالب من الصف الخامس يكون تمرس على الخط وسيظل اثر ذلك معه حتى المراحل العليا، وفي بعض الدول هناك مدرس خاص بالخط.
واعتبر موجه المجال أن تأثر طالب المرحلة الدنيا بالالكترونيات ليس كبيرا كما هو الحال في المراحل العليا، بالإضافة إلى وجود علاقة بين الطالب المنظم والمرتب وطبيعة خطه الذي يتناسب مع طبيعته وبصورة عمة فإن خطوط البنات أفضل من البنين نظرا لطبيعتهن في الاهتمام بالشكل والنظام.
يعد عبد الله أحمد الحامد مدرس الجيولوجيا في ثانوية المتنبي لتنفيذ دورة تدريبية للطلاب الراغبين في تعلم الخط العربي بأساسياته الصحيحة لأن لكل خط أسراره وقياساته التي تبرز جمالياته، فهو معلم جيولوجيا ولكنه يتمتع بمهارة في كتابة الخط العربي خاصة الكوفي والديواني، وقد ظهر حبه لإتقان الخط العربي في مرحلة الجامعة وخضع لدورات تخصصية فيه حتى أنه حصل على جوائز منها على مستوى جامعات دول مجلس التعاون.
وأشار الى أن خطوط الطلبة بشكل عام سيئة رغم أن هناك مجموعات متميزة، ويرى أن الخط بشكل عام يمكن تطويره والإبداع فيه بالتدريب والممارسة، لأن المعلم قد يدرك طبيعة الخط ويعرف أساسيات كتابته ولكن لا مجال للممارسة والتطبيق.
ويؤكد عبد جاسم مدير ثانوية المتنبي وجود مشكلة سوء الخط وأنها قد بلغت ما يمكن تسميته بالظاهرة على مستوى الطلبة في كافة المراحل الدراسية، ولكنه اعتبر أن الحل في التدريب للطلاب بالشكل الصحيح والعلمي، مؤكدا أنه من المعارضين لفكرة النسخ الكثير للواجبات والدروس للطالب لأنه يعطي نتيجة سيئة، حيث إن الطالب يركز في إنهاء الكتابة بسرعة وبالتالي يكتب بخط غير جيد ومع تكرار ذلك ترسخ لديه طريقة الكتابة السيئة بدلا من الكتابة الصحيحة والجميلة.
الخطوط سيئة
وأشار مازن توفيق معلم اللغة العربية في ثانوية المتنبي بأبوظبي إلى أنه على مدار سنوات عمله الطويلة مع مراحل متعددة يمكنه وصف خطوط الطلبة بالسيئة جدا بل إن بعض المعلمين أيضا خطوطهم سيئة، فخط الطالب اليوم وقد وصل للمرحلة الثانوية نجده ليس مقروءا ولا واضحا، معتبرا أن السبب غياب التأسيس في المراحل الدراسية الدنيا .
حيث لا مجال لتدريس الخط بأسسه وقواعده المطلوبة من حيث كيفية كتابة الحرف في مواضع مختلفة وداخل الجمل والتفريق بين خطي النسخ والرقعة، فالمعلم يشكو من عدم قدرته متابعة خطوط 30 طالبا معا، لذا هناك حاجة لتخصيص حصة للخط، فهم يعانون كثيرا من رداءة خط طالب الثانوية حتى عند تصحيح إجاباتهم في الامتحانات لا يفهمون أحيانا ما كتبه الطالب.
واعتبر أن جودة الخط يمكن تحقيقها لدى الطلبة عامة لأن الخط الجيد هو المكتوب بطريقة صحيحة وواضحة ومقروءة وهذا لا يتطلب الموهبة، وهذا بخلاف من يتمتعون بموهبة وهم أيضا بحاجة للتدريب لصقل موهبتهم حتى لا يفقدوها، مشيرا إلى أن وجود الكمبيوتر لدى جميع الطلبة تقريب أثر بشكل كبير على كتابة الطالب بخط يده.
من المقترحات التي أشار إليها مازن لحل المشكلة هو استغلال وجود الطالب على السبورة لتعويده الكتابة الصحيحة للحروف وتناسقها، والاهتمام بالمراحل التأسيسية في تعليمهم أساسيات الكتابة، وحث الطالب على تقديم تقاريره وأبحاثه بخطه وتحفيزه، والاهتمام بتخصيص حصة للخط في المرحلة الإعدادية بالإضافة إلى دور الأهل بدعم مهارة الخط لدى أبنائهم.
مشروع لتحسين خطوط الطلبة
تلقى قضية رداءة خطوط بعض الطلبة اهتماماً من الهيئة التدريسية عبر طرح الحلول والمبادرات الكفيلة بتجاوز هذه المشكلة وإيجاد مخرج لها يضمن إعادة الاهتمام بالخط العربي وتحسينه.
فقد بادر المدرس مرتضى شرارة معلم اللغة العربية بمدرسة الصقور النموذجية في أبوظبي بتنفيذ مشروع لتحسين خطوط الطلبة، وكانت فكرته نبعت من المقارنة بين اللغتين العربية والانجليزية، حيث لاحظ أن خطوط كثير من الطلبة في الانجليزية أجمل من العربية لأن طبيعة الحرف العربي مرن وهذا سلاح ذو حدين، فيمكن فيه الإبداع للخطاطين والحرفيين في حين تصعب السيطرة عليه لغير المتدربين.
مشيرا إلى أنه استخدم نظام الأربعة أسطر لتعويد الطالب ضبط كتابة الأحرف وتنسيقها كتلك الخطوط المستخدمة في اللغة الانجليزية وبالفعل حقق نتائج ايجابية مع طلابه. وقال شرارة إن الخطوط بوجه عام غير مرضية وهناك قصور واضح، وهذه ظاهرة ملموسة وليست توقعات، معتبرا أن هناك أسباب مرتبطة بالمنهاج والمعلم والطالب، فالمنهاج الجديد مصمم بشكل يعتمد الإجابات القصيرة ويأخذ وقت الطالب في المناقشات والتحليل والتعلم التعاوني، ولا مجال للتدريب بتوسع على الخط، كما نوه إلى أن تجربته مع الطلبة توضح أن غالبية الطلبة الضعاف المستوى هم من أصحاب الخطوط المتردية.
المناهج الحديثة تحد من تطور مهارة الكتابة
قال صالح الجرمي معلم لغة عربية في المرحلة الابتدائية بمدرسة البطين النموذجية في أبوظبي إن خطوط الطلبة أغلبها في تراجع واضمحلال لأن المناهج تحد من عملية الكتابة في ظل اعتمادها على جوانب كتابية محدودة تتمثل في «إكمال العبارات أو إيجاد العبارات الصحيحة»، لأن الكتابة المتواصلة هي التي تطور الخط، مشيرا إلى أن البعض يعتقد أن التربية الحديثة تعني عدم إعطاء الطالب واجبات كتابية كواجبات النسخ، ولكن هذه النظرة خاطئة لأن النسخ كواجب ينمي لدى الطالب مهارات الكتابة والقراءة والإملاء.
ويرى الجرمي أن أفضل طريقة لتحسين خط الطالب هي النسخ والمشكلة أن الطالب لا يحب النسخ ولو أخذ الواجب اتصل ولي الأمر واعترض على ذلك، أما خلال الحصة فكثير من المعلمين لا يولون اهتماما كبيراً بهذه المهارة ويركزون على شرح الدروس بينما الأمر يتطلب اهتمام المعلم والحرص على تحفيز الطالب ومكافأة المتميزين في الخط ونوه إلى أن الخط الجيد هو المقروء والواضح ذو الأحرف المتساوية والمتناسقة معا وهذا يفتقده العديد من الطلبة، مشيرا إلى التأثير الكبير للحاسوب اليوم على مهارة الكتابة وتفضيل الطالب الطباعة على كتابة المادة بخط يده.
أبوظبي ـ لبنى أنور


