تكاد تكون ملامح التغيير والتطور في البنى التحتية، واحدة من أهم ما يميز دبي والإمارات عموما عن غيرها، ولكن هذا التطور لم يؤد بعد إلى حل مشكلة الازدحام المروري الذي تعاني منه الشوارع، على الرغم من اتساعها لتصل في بعض الأماكن إلى سبعة مسارب في كل اتجاه.

ويكاد يكون عدم استخدام وسائل النقل العام أحد أهم العوائق التي تقف في وجه حل الأزمة المرورية في دبي تحديدا، والسبب في ذلك هو وجود ثقافة عامة سلبية لدى المواطنين والمقيمين العرب تحديدا حول استخدام هذا النوع من المواصلات، وقد يكون مرد نشوء هذه الثقافة سابقا هو طبيعة وشكل وسائل النقل العام التي كانت مستخدمة في السابق، إلى جانب سهولة الحصول على رخص القيادة وكذلك امتلاك السيارة، وبالطبع هذا أدى إلى زيادة متصاعدة في عدد السيارات، وهو ما أدى إلى تعود الجميع على النقل الخاص والابتعاد قدر الإمكان عن وسائل النقل الجماعي التي انحصرت في فترة من الفترات على جنسيات بعينها.

ولا يمكننا إنكار أن جميع الحافلات التي كانت مستخدمة قديما لم تكن تشجع على استخدامها لسوء حالتها الداخلية والخارجية، إلى جانب الممارسات التي كانت تحدث فيها من حيث الرائحة أو الإزعاج وغير ذلك، وللتخلص من هذه الثقافة بدأت هيئة الطرق والمواصلات في دبي بالعمل جديا على إحداث تغيير جذري في طبيعة هذه الوسائل، وأولى خطواتها في ذلك كانت استبدال الحافلات القديمة بأخرى حديثة تحتوي على مميزات متطورة ومريحة. حيث تعمل حاليا على شوارع دبي ثلاث أنواع من الحافلات الحديثة عادية ومزدوجة تتألف من قاطرة ومقطورة، وذات طابقين تنقل الركاب إلى الإمارات الأخرى، ولجذب المزيد من المستخدمين خاصة المواطنين والمقيمين لركوب هذه الحافلات، عملت هيئة الطرق والمواصلات على توفير العديد من المزايا للركاب، إلى جانب تزويدها بتقنيات متطورة وشاشات عرض كبيرة، ومصابيح فردية صغيرة للقراءة ملحقة بالمقاعد.

كما تم تزويد الحافلات الفخمة لنقل الركاب بين إمارتي دبي وأبوظبي بمقاعد وثيرة ورحبة وأرفف للطعام، وتجهيزات تماثل مقاعد الركاب في الطائرات، ولكن رغم ذلك ما زالت هذه الوسائل تعاني من هجر المواطنين الذين بلغت نسبتهم من بين مستخدمي المواصلات العامة 2,0% فقط، في حين بلغت نسبة الأسيويين 82%، وذلك بحسب دراسات هيئة الطرق والمواصلات... «البيان» سلطت الضوء على مشكلة عزوف المواطنين والعرب عن استخدام المواصلات العامة، حيث قال أحمد محمد جبر (موظف): بالنسبة لي أنا عادة لا استخدم وسائل النقل العام، وذلك لاعتمادي في التنقل على سيارتي الخاصة، ولكن رغم ذلك اعتقد أن الفرصة ما زالت مهيأة أمامي لاستخدامها، خاصة بعد قيام هيئة الطرق والمواصلات بتغير شامل للحافلات واستبدالها بأخرى حديثه، فالحافلات القديمة لم اعد أراها في الشارع، ويبدو أن الحافلات الحديثة تعكس مظهرا حضاريا نظرا لما تتمتع فيه من مزايا بحسب ما اسمع من رفاقي.

وأضاف: أعتقد أن السبب الرئيسي في عزوف المواطنين والمقيمين عن استخدام المواصلات العامة، يرتبط بالنظرة الدونية لمثل هذه الوسائل خاصة وأن الجميع لم يتعود على استخدامها منذ الصغر، وهذا ما جعلها تقتصر على جنسيات معينة لسنوات طويلة، وبالطبع هذا ساهم بتعميق هذه الثقافة، ولكن يبدو أن هذه النظرة قد بدأت تتغير مع بدء عملية التغيير الشاملة في أسطول المواصلات العامة.

أما محسن محمد (موظف) فقال: في أحيان كثيرة أشعر أن لدينا حساسية مفرطة من استخدام وسائل النقل العام أو الجماعي، وذلك يعود إلى طبيعة ثقافتنا وتربيتنا، فنحن لم نتعود منذ صغرنا على استخدامها في ظل وجود أسطول من السيارات في كل بيت، وهذا الأمر أدى إلى خلق ازدحام مروري في شوارعنا، علما بأن الانتقال إلى استخدام وسائل النقل الجماعي سيكون له العديد من الايجابيات مثل تقليل استخدام الوقود.

وبالتالي تقليل التلوث البيئي، إلى جانب أن ذلك سيساهم في تقليل الحوادث المرورية وكذلك المخالفات، وفي الآونة الأخيرة بدأت ألمس اهتمام الإدارات المسؤولة عن وسائل النقل العام في نظام المواصلات العامة، وتوجهها نحو تفعيلها بصورة تخدم الجميع، ومن دون شك، فإن أولى خطوات هذا الاهتمام تتمثل في حملة التغيير الشاملة لوسائل النقل العام.

ولكن رغم ذلك ما زال إقبال المواطنين والعرب عليها ضعيفا، ولتحفيزهم يجب إعداد حملات إعلانية ضخمة تهدف إلى تغيير الثقافة العامة الموجودة لديهم. يقول قال اياد رضوان (موظف): السبب يبدأ من التربية، حيث أن الكثير من الأهالي في المجتمع الإماراتي قد زرعوا فكرة مفادها أن هذه الأنواع من المواصلات لا يستخدمها إلا ذوي الدخل المحدود، كما يقتصر استعمالها على جنسيات معينة.

وقد عمق خلو المواصلات العامة أو الحافلات تحديدا من التجهيزات المطلوبة وأقلها التكييف وعدم النظافة، والازدحام، وطول الوقت الذي تستغرقه الحافلة في الوصول إلى المكان المطلوب، علما بأن استخدام الحافلة يعمل على التوفير في الأجرة مقارنة مع التاكسي وحتى السيارة الخاصة، فتكلفة أغلى تذكرة في الحافلة لا تتجاوز الخمسة دراهم، ولكن هذه الأمور قد أصبحت مع عملية التغيير التي أجرتها هيئة الطرق والمواصلات من الماضي، ومن دون شك فإن الأنظمة التي اعتمدتها الهيئة حاليا في المواصلات العامة مليئة بالراحة وتكفل الخصوصية للركاب.

فضلا عن أنها تمنع الأكل والتدخين والإزعاج في داخل الحافلة، وهذا الأمر بدأ يشجع المواطنين والعرب بشكل خاص على ارتياد المواصلات العامة ولكن رغم ذلك ما زال هذا الإقبال بسيط نظرا لاعتماد الكثيرون منا على سيارته الخاصة التي أصبح الحصول عليها سهلا للغاية. وأشار اياد إلى أن مترو دبي سيساعد في تشجيع المواطنين والمقيمين على استخدام وسائل النقل الجماعي، وتغيير فكرتهم عنها، وبالتأكيد أن تنامي ثقتهم في المواصلات العامة سيعزز من الثقافة الجديدة التي تحاول هيئة الطرق والمواصلات نشرها بين أفراد المجتمع.

محمد الهاشمي: اقتناء المركبات الخاصة ساهم بتعميق هذه الثقافة

وحول أسباب عزوف المواطنين والمقيمين العرب عن استخدام وسائل النقل العام، قال محمد الهاشمي، مدير إدارة التخطيط و تطوير الإعمال في مؤسسة المواصلات العامة بهيئة الطرق والمواصلات: تراكم هذه الثقافة جاء نتيجة مباشرة لتعود المواطنين والمقيمين على المركبات الخاصة، والتي تتمتع بالرفاهية والخصوصية والتي لم يكن النقل الجماعي يتمتع بها في السابق، ومن دون شك فإن سهولة اقتناء المركبات الخاصة قد ساهم بتعميق هذه الثقافة خاصة وأن أسعارها أصبحت في متناول يد الجميع تقريبا، ولذلك فقد عملت الهيئة على تلبية هذه الاحتياجات، من خلال عدد من الخطط الإستراتيجية التي تجعل من النقل الجماعي موازيا لحد كبير للمركبات الخاصة.

وأضاف الهاشمي بقوله إن تجديد وسائل المواصلات العامة، إنما هي خطوة أولية ضمن مجموعة من الخطط الواسعة والطموحة للوصول إلى رفع عدد مستخدمي وسائل المواصلات العامة من المواطنين والمقيمين العرب، لذلك لا نستطيع حاليا ملاحظة أي زيادة من حيث إقبال المواطنين والمقيمين العرب عليها، ونحتاج إلى بعض الوقت لتكريس الثقافة الجديدة في المجتمع.

أما من حيث السبل التي تتبعها هيئة الطرق والمواصلات لتغيير هذه الثقافة لرفع مستوى الإقبال على استخدام وسائل النقل العام، قال الهاشمي: لتغيير هذه الثقافة، نقوم بتقديم حافلات ممتازة بخدمات راقية، وطرح خطوط جديدة بانتظام، والتقليل من مدة التقاطر بين حافلة وأخرى لتقليل وقت انتظار الركاب للحافلة التالية، إلى جانب توفير مظلات مكيفة لانتظار الركاب في جميع شوارع دبي.

وأردف: تهدف هذه الخطط والبرامج إلى رفع عدد مستخدمي وسائل المواصلات العامة من المواطنين والمقيمين العرب، ورغم تميز هذه الخطط بالحداثة والتطور إلا انه يصعب علينا حاليا ملاحظة أي تغيير في النسق العام، وذلك لان بعضها ما زال قيد التنفيذ، وعموما فإحصائياتنا تشير إلى أن استخدام المواطنين لوسائل النقل العام في الفترة الأخيرة قد سجل نسبة منخفضة جدا تبلغ 2,0%، بينما استخدمها المقيمون العرب بنسبة 12%.

اضاءة

تعتبر الحملة الشاملة لتطوير النقل بالحافلات العامة جزء من الخطة الإستراتيجية لهيئة الطرق والمواصلات، رفع الرحلات التي تتم بواسطة النقل الجماعي إلى 30% بحلول العام 2020 أحد أهدافها، ويتوقع لحافلات المواصلات العامة أن تنقل أكثر من 120 مليون راكب في دبي مع نهاية العام 2010، ولتحقيق ذلك عملت الهيئة على تركيب مقصورات مكيفة لانتظار الركاب، والتي تعتبر الأولى من نوعها في العالم، حيث تعمل حالياً المئات منها في إمارة دبي.

وهي مجهزة بخرائط لخطوط الحافلات ومصابيح تصدر ومضات متقطعة للدلالة على وجود ركاب في الانتظار، علما بأن معدل المسافة بين موقف حافلة وآخر يبلغ 350 متر، وأن زمن التقاطر بين حافلة وأخرى يتراوح مابين 10-20 دقيقة.

غسان خروب