للغة الجسد تمثّلات ثقافية واجتماعية عديدة، تتجذّر في جملة من الطقوس والرموز الحركية التي تتباين من منطقة إلى أخرى، وتشكّل بمجموعها مؤشرات دلالية لقراءة تفاعلاته وخبراته وضوابطه التي تراكمت عبر العصور، ومن هذا المنطلق حاولت فرقة «ليش» في عرضها الجديد «ألف مبروك» أن ترسم ملامح السيرة الذاتية للجسد العربي بالاعتماد على خصوصياته ومفرداته التي أنتجها في صراعه المستمر مع الموانع والنواهي على اختلاف مستوياتها.

وفرقة «ليش» هي فرقة مسرحية من فرق القطاع الخاص في سوريا، أسستها الفنانة نورا مراد عام 1999، ومنذ ذلك التاريخ قدمت الفرقة ثلاثة عروض حركية هي: «بعد كل هالوقت»، «أحلك الأوقات» و«مومو» للأطفال، والعرض الذي بين أيدينا هو الثاني بعد «إذا ماتوا انتبهوا» في إطار سلسلة مشروع «هويات» الذي أطلقته الفرقة عام 2006 ضمن مؤتمر «الجسد والهوية».

ويهدف المشروع -على حد تعبير الفرقة- إلى «محاولة البحث في مسرحة الطقوس الاجتماعية ذات الطابع الديني للوصول إلى كود حركي عربي، يؤسس لبناء أبجدية حركية، تشكل مفردات لكتابة نص عرض مسرحي».

ولم تقتصر المغامرة على جرأة الطرح، بل طاولت كافة عناصر العرض المسرحي بدءا من المكان مرورا بأسلوب المعالجة الفنية انتهاء بطبيعة التلقي والجمهور، فقد قادتنا الفرقة إلى صالة في قلعة دمشق، وكان من شروط التلقي أن لا يتجاوز عدد الحضور الثلاثين متفرجا في كل مرة، وبعد أن يتجمع هؤلاء عند الباب، يقوم أحد الممثلين عبر إشارات إيمائية بفصل الحضور عن بعضهم إلى صف للرجال وآخر للنساء، كي يدخلوا الصالة، ويتابعوا العرض وهم واقفون، ينتقلون من موضع لآخر تبعا لانتقال موقع المشهد، دون أن يفصلهم عن الراقصين أية حواجز.

ستارة مسدلة من الأعلى فصلت الحضور والفضاء المسرحي إلى قسمين، وقد أدى المشاهد في قسم النساء كل من الفنانتين نورا مراد وفيحاء أبو حامد، وفي قسم الرجال الفنانين ورازميك غابربيليان وفرنسوا باير، وجميع الراقصين كانوا يضعون خمارا طويلا على وجوههم.

وبهذا يكون العرض قد وضع أولى علامات الفصل الصارم وعلى كافة المستويات بين عالمي الذكورة والأنوثة في أبجدية الجسد العربي، فصل يجعل معرفة الطرف الآخر تتم عبر التلصّص وأحلام اليقظة، وليس عبر اللقاء المباشر والحوار، وهي الفكرة الأساسية التي طرحها سيناريو العرض الذي قام بتأليفه رضوان طالب مستثمرا طقوس العرس.

رافق المدار الحركي للعبة المسرحية خلفية سمعية من تأليف شادي علي، هي عبارة عن مزيج موسيقي صوتي متعدد المستويات، تداخلت فيه الألحان والإيقاعات الشرقية، واستطاع أن يرسم فضاء دراميا مكمّلا وموازيا للمشاهد الحركية التي صممتها نورا مراد، والتي نهضت على الحركة الانفعالية المتشنجة، وإشارات المنع والحرمان، وتعبيرات التضرّع والخشية والعقاب من أجل محو الخطيئة وصون العفة.

واكتملت مناخات العرض بروائح المسك والبخور التي كانت تفوح من المكان، وبالإضاءة التي صمّمها بسام حميدي، والتي أنارت مناطق الحركة فقط، وعلى مدار هذا الفضاء المشحون بالرموز السمعية والحركية تسلسلت ونضجت دائرة القهر، تمرأت رغائب الجسد وأشكال حرمانه، انتفاضاته وهزائمه، الحصار المفروض عليه وآليات تدجينه المختلفة، وصولا إلى كائن هزيل، يعجز عن الفعل، يخاف الكلام، يدخل قفص الزوجية طائعا دون حب أو رغبة، لأنه يعتقد أن الحياة إثم عظيم.

دمشق ـ تهامة الجندي