تتخذ تجربة التشكيلية البريطانية جينفير سيمون؛ اتجاهاَ مختلفاً عن التجارب المعاصرة في المشهد التشكيلي الأوروبي، فهي من حيث الرؤية وتجسيدها تخرج عن المألوف والممنهج في مدارس الفن بين كلاسيكي واقعي وحداثي تجريدي، أما من حيث التكنيك فهي تتخذ من الألوان البارزة والعميقة التي يتيحها «الأكريليك» والخطوط الواضحة مسلكاً للوصول إلى المشاهد بصورة سهلة ودون تعقيد، أما الأفكار والمنظور فهي تتخذ من وجوه الناس وأشكال المدن نوعاً من الاحتفال بالحياة.
في معرضها المقام حالياً في قاعة «قباب للفنون» في أبوظبي تركز الفنانة على خلق علاقة بين الناس والمدن عبر استخدام عدة أشكال جمالية، ولأنها أرادت افتتاحاً غير تقليدي لمعرضها؛ ولأنه احتفال بالحياة، فقد وصل إلى معرضها في أبوظبي 18 فرداً من أفراد عائلتها القاطنين في بريطانيا وأستراليا وهم يرتدون الأقنعة ويمارسون ألعاب الخفة على أنغام عازف الجيتار «كالانا» وقد اجتمعت ثلاثة أجيال من عائلة سيمون لدعم الفنانة، منهم الجدة التي تبلغ من العمر 86 سنة. رغم عدم إكمال الفنانة لدراستها الأكاديمية للفنون الجميلة بجامعة سوزبورن الأسترالية، إلا أنها استطاعت من خلال هذا المعرض وما سبقه أن تخطو نحو تأسيس لون فني خاص يجمع ما بين التعبيري بتقنياته والحداثي بأشكاله الجمالية وأفكاره المغايرة، تقول سيمون عن تجربتها: «لقد أتاح لي العمل كمضيفة طيران، أن أتنقل وأشاهد وأدوّن حياة الناس في عشرات الدول التي زرتها، وكنت أحرص في جميع تلك الرحلات بمتابعة أدق تفاصيل الحياة اليومية في المدن ومن خلال قراءة وجوه الناس الذين تجمعهم الإنسانية قبل كل شيء، ومن عشقي للأمكنة والمدن التي تجمعنا؛ فقد رسمت في لوحتي الأولى التي عرضتها في معرضي الأول بقاعة قباب رموز لجميع مدن العالم وصورتها في لوحة واحدة».
تظهر لوحات جينفير سيمون التي تقارب الأربعين لوحة؛ وجوه الناس من مختلف الأعراق والأجناس وهي باسمة وفرحة، ورغم الحياة الكارثية التي تحياها البشرية حالياً وفي السنوات القليلة الماضية بسبب الحروب والمجاعات والإرهاب وغيره؛ فأن الفنانة تصر على بث مباهج الحياة في لوحاتها كنوع من التمرد على الواقع الإنساني المؤلم، وللفنانة خطوط وحركات في الرسم تقارب ما كان يرسمه بيكاسو في مرحلة من حياته، ولئن كان بيكاسو يتهم بالجنون من قبل من كتب عنه، فهل ستخطو الفنانة البريطانية لذلك النوع من الجنون المبدع، تجيب الفنانة بطرافة: «أظن أنني كنت مجنونة في السابق، ولكني بدأت بترتيب جنوني بعد دخول عالم الرسم، وأعتقد أن لا فن ولا إبداع في أي شكل سيقوم على وجه الأرض دون خيط رفيع من الجنون».
حين يتم الحديث عن الفن التشكيلي؛ فأن الذهن يرحل بتلقائية نحو إيطاليا دافنشي وهولندا رامبرانت وفرنسا مونيه، بينما بقيت المدرسة التشكيلية البريطانية غير معروفة حتى ظهور بعض الأسماء الكبيرة في القرن العشرين والزمن المعاصر كفرانسيس بيكون ولوسيان فرويد، عن علّة تأخر التشكيل البريطاني عن الظهور أوروبياً والفنانين الذين تأثرت بهم؛ تقول سيمون: «إن السبب الأكبر في بروز المدارس الفرنسية والإيطالية والأسبانية وغيرها من مدارس أوروبا وتأخر المدرسة البريطانية في الظهور يكمن ـ حسبما أعتقد- للعامل الديني ومساندة الاتجاه الكاثوليكي للرسم والمنحوتات الدينية بتلك البلدان، بعكس التيار البروتستانتي والإنجليكاني الذي كان يسود بريطانيا لقرون.
وبعد تضاءل نفوذ الكنيسة في أوروبا بشكل عام بعد الثورة الفرنسية وتغير الاتجاهات الفكرية والاجتماعية، استطاع الفن البريطاني أن يبرز خلال العقود الماضية، وقد تأثرتُ بصورة كبيرة بالفنان جريس بيري والفنان الأميركي آندي بوهو، ورغم تأثري بأساليبهم إلا أنني أعتبر نفسي من الفنانين الذين درّسوا أنفسهم بأنفسهم وكنت أشتغل تجريبياً على الألوان والأشكال والخامات بصورة يومية لأصل للفكرة التي أريد».
لمحات
«لمحات» هو عنوان معرض الفنانة البريطانية جينفير سيمون الذي يقام حالياً في قاعة قباب للفنون في أبو ظبي، ويستمر المعرض حتى 30 أكتوبر الجاري وهي التجربة الثانية للفنانة في الإمارات بعد معرضها الأول عام 2007م.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

