ظاهرة ممارسات الدجل والشعوذة بدأت تتسلل إلى المجتمع الخليجي من أبواب سرية وشديدة الخطورة، فلم تعد هذه الممارسات مقصورة على الجهلة وأنصاف المتعلمين، بل انضم إلى خيوطها عناصر من النخبة المثقفة، وذوي المراكز الكبيرة التي يفترض أن يكونوا أول من يحارب هذه الظاهرة، وهناك إحصائية تشير إلى أن الدول العربية تنفق مليارات الدولارات سنوياً على الدجل والشعوذة، وفي دراسة ميدانية حديثة قام بها د. محمد عبد العظيم بمركز البحوث الجنائية في القاهرة، أشارت هذه الدراسة إلى أن ممارسي السحر يخلطون بين السحر والدين، ويزعمون أن لهم القدرة على علاج الأمراض، وأن هناك زهاء 300 ألف شخص في إحدى الدول العربية، يدعون علاج الأمراض بتحضير الأرواح، وحوالي ربع مليون دجال في الدول العربية يمارسون أنشطة الشعوذة ، وأن نصف نساء العرب يعتقدن بفعل الخرافات والخزعبلات ويترددن على المشعوذين سراً وعلانية.

وهؤلاء الدجالون والمشعوذون والنصابون يدعون كذباً قدرتهم على تسخير الجان وعلاج الأمراض والمشاكل الصحية والاجتماعية بل والاقتصادية ومنها مضاعفة الأموال، والغريب أن نسبة كبيرة من النساء والرجال يعتقدون بقدرة الدجالين على حل مشاكلهم، ومنهم مشاهير الفن والسياسة والرياضة والمثقفون الذين أصبحوا من رواد السحرة والدجالين، وما يزيد الطين بلة أن البعض من المنتسبين إلى الدين يعملون على ترسيخ ثقافة الجن والعفاريت لدى قطاعات واسعة من الناس. ويبدو أن ظاهرة تلبس الجن أو ما يسمى «ثقافة الجن» لها صلة بالظروف الاجتماعية والدينية، حيث تساهم حالة القهر النفسي والاجتماعي في خلق الإحساس بالعجز، ويحاول بعض المدافعين عن قضية تلبس الجن للبشر تقوية موقفهم واعتبروا أنفع الوسائل هي الضرب المبرح أو الخنق أو الكي أو إيذاء المريض بحجة إيذاء الجن الذي يتلبسه، وقد حدثت مآس كثيرة نقابلها كل يوم، وأدت في بعض الأحيان إلى وفاة بعض المرضى تحت وطأة الضرب، تحت حجة إخراج الجني الذي ركبه، إضافة إلى انتهاك حرمات الكثير من النساء وهتك أعراضهن وابتزازهن على أيدي مدعي إخراج الجن أو العلاج بالقرآن.

الدجل والكذب

تقول علياء «أم حمدان»: عشت فترة طويلة وأنا أشعر باكتئاب وحالة انعزال من الناس، أخذني أهلي إلى أطباء مختصين لكي أتعالج من هذه الحالة، وفعلا خفّت حالة الاكتئاب، لكنها لم تزل بالكامل، إلا أن جاءت جارتنا وأخبرت أمي بوجود شخص «مطوع!» لديه قدرة على معالجة مثل هذه الحالات، وفعلا أخذتني أمي إليه، وبدأ أولاً بإعطائي بعض الأدوية المكونة من الأعشاب، على أن أراجعه كل أسبوع، ولكن حالة الاكتئاب لم تزل عني، بل زادت أكثر واضطرت أسرتي فيما بعد لنقلي لأحد المستشفيات، لأكتشف فيما بعد ان الأعشاب كانت مجرد وهم، لذلك احذر الجميع من المشعوذين الذين لا هم لهم سوى الضحك على الناس وأخذ أموالهم.

ويقول سيف سالم خلفان: كثر في الآونة الأخيرة المشعوذون والسحرة وظاهرة قراءة الكف والى آخره من أعمال لا ترضي رب العالمين، وربحها مضمون بهذا العصر الذي كثر فيها الفساد والنفوس الضعيفة، وهناك من يقبل على هذه الأعمال، طالبا من المشعوذين والدجالين إما حلاً لفك سحر أو طلب شفاء لمريض، وهناك من يخدع بماله عندما يطلب منهم مضاعفة المال، وللأسف فإن المعتقدات الخاطئة سيطرت على قلوب الأنفس الضعيفة والجاهلة، وجعلتهم يتبعون هذا الطريق المظلم.

ويضيف إبراهيم محمد إبراهيم: «أنا شخصيا لا أحب التعامل مع المشعوذين، لأنه في الأصل محرم على الإنسان المسلم أن يؤمن بمثل هذه الخزعبلات، وليس هناك مشعوذ قادر على علاج المريض، أو مضاعفة الأموال، كما نقرأ ذلك في الصحف والمجلات، والغريب في الأمر أن الفضائيات هي الأخرى دخلت هذا المجال، وأعطت مساحات من ساعات البث، لنقل صور لبعض المشعوذين وهم يقومون بعلاج بعض المرضى، وهي وإن كانت تحاول إعطاء الوجه الآخر للمشعوذ، إلا أنها وبطريقة غير مباشرة، تروج لثقافة المشعوذين والدجالين، وما يبث في الفضائيات أعتقد أن بعض الناس يصدقونه ومن هم في مستويات قليلة من التعليم».

نماذج حية

ألقت سلطات الأمن في دولة عربية القبض على دجال يقوم بإيقاع النساء عن طريق تبخير الحجرة بمخدر البانجو ليفقدهن تركيزهن، ومحاولة اغتصابهن بعد إيهامهن بأنها أوامر من الجن، واستطاعت الشرطة القبض على الدجال أثناء مزاولته السحر والشعوذة حيث وجهت للمشعوذ النيابة تهمة النصب على المواطنين، وأثناء مداهمة وكر المشعوذ تم ضبط كمية من بذور البانجو، حيث اعترف المتهم باستخدامها في البخور ليتسنى له تخدير زبائنه.

بدأت أحداث هذه الواقعة عندما ذهبت إحدى السيدات إلى أحد الدجالين للاستعانة بتسخيره للجن للصلح بين ابنتها وزوجها، وبمقابلته طلب منها إحضار ابنتها لفك «الأعمال» مدعيا أنها أوامر من الجن.

وقامت السيدة بإحضار ابنتها للمشعوذ كما طلب، فأوهمها أن الجن متلبس بابنتها، وأن هناك أربعة أعمال تحتاج إلى مبالغ كبيرة لفكها، وباعت المرأة مصوغاتها واستطاعت جمع المبلغ الذي طلبه، فأوهمها بعد ذلك أنه استطاع فك سحر ابنتها، وأنها منذ اليوم ستعيش حياة سعيدة، لتفاجأ السيدة بتكرار الخلافات بين ابنتها وزوجها، والتي وصلت لحد الطلاق.

جميل محسن