تتميز مرحلة الشباب والمراهقة بالتمرد على عادات وتقاليد المجتمع، ففي هذه المرحلة تحديداً يكون البحث عن الجديد في أوجه، ومرد ذلك هو عدم الوصول إلى مرحلة النضج والاستقرار التي تعطي الشاب القدرة على رؤية الأمور بشكل أوضح.
وبلا شك فإن الموضة وكل ما يتعلق بها واحدة من الجوانب التي يحاول الشباب من خلالها التمرد على الواقع والظهور فيه بطريقة ملفتة للنظر، لما فيها من «صرعات» وأشكال متطرفة وغريبة، وقد بدأنا نلحظ في الفترات الأخيرة وجود أشكال غريبة من الموضة في اللبس وكذلك قصات الشعر، والتي أثارت في أغلبيتها حفيظة المجتمع الذي لم يعتد عبر مراحله التاريخية على مثل هذا الانقلاب في الموضة، ولعل أكثر أنواع الموضات التي أثارت الجميع هو «البنطلون النازل» والذي أطلق عليه البعض مصطلحا جديدا هو «طيحني».وكذلك «البلايز والبناطيل الواسعة جدا» والتي ظهرت بأمريكا في منذ فتر قريبة والمشكلة أن العديد من الشباب لا يفهمون معنى هذه الموضات والأسباب التي أدت إلى خروجها في موطنها، وبالتالي فهي تحمل معاني كثيرة بالنسبة لهم، في حين أنها تفتقد لهذه المعاني في بلادنا التي لم تعش تلك التجارب التي ارتبطت في معظمها بالعرق واللون.
وقد نفهم أن بعض هذه السلوكيات قد تكون عابرة أو مؤقتة أو مرتبطة بظروف معينة، ولكن ستصبح مشكلة كبيرة إذا أصبحت عادة متبعة تتكرر في جميع المواسم، الأمر الذي سيفقد الشاب رجولته وستؤدي إلى استهلاك طاقاته وتفكيره الذي يجب أن يصرف في أشياء أخرى قد تكون مفيدة له ولمجتمعه.
«البيان» سلطت الضوء على هذه الظاهرة التي بتنا نلمسها في كل مكان، وباتت تعكس ثقافة جديدة في أوساط الشباب، حيث حاولنا التعرف على أراء الشباب وردود أفعالهم على هذه الظاهرة، إلى جانب معرفة انعكاساتها النفسية على الشباب.
أوليات حياتي
عن مدى أهمية الموضة في حياته يقول خالد عبد الله: «اتباع أحدث خطوط الموضة بالنسبة لي أمر طبيعي جدا وهو من المسلمات في حياتي ولا أستطيع تصور شكلي من دون أحدث موديلات الجينز والملابس من الماركات العالمية إضافة إلى قصة الشعر الملائمة ليكون مظهري مواكبا لأحدث خطوط الموضة».
واتفق معه صديقه بدر محمد والذي أكد بأنه يرى انه من المستحيل ألا يتبع الشباب الموضة، وذلك لأنها تعتبر محور حياتهم والموضوع الذي يسيطر على أحاديثهم، إلى جانب أن أغلب لقاءاتهم تكون في مراكز التسوق التي يحرصون فيها على الاطلاع على أحدث الموديلات والماركات واقتنائها.
ومن جهتها قالت ليلى سليم والتي كانت تحمل في يديها عددا من الأكياس: «أحيانا كثيرة أشعر بأنني ضحية للموضة ولا أستطيع مقاومة نهم التسوق والشراء خاصة في مواسم التنزيلات، فأنا أقتني بانتظام مجلات الأزياء وأتابع البرامج التلفزيونية التي تهتم بالجمال والأناقة وبطبيعة الحال لا أستطيع أن أمنع نفسي من التجول في الأسواق ومتابعة آخر صيحات الموضة، لأن مظهري أساسي ومهم جدا بالنسبة لي، لذلك فأنا لا أدخر جهدا ولا أموالا ليكون شكلي مواكبا لآخر خطوط الموضة
حرية شخصية
في المقابل اختلف عبد الله ناصر لوتاه مع آراء الآخرين حيث قال: «المشكلة التي نعيشها اليوم هي أن الشباب يهتمون جدا بالموضة من باب التقليد لما يحدث في المجتمع الغربي، والذي أعتبره كشاب خطأ، وكثيرا ما أسأل نفسي عندما أرى مجموعة الشباب التي تهتم بالموضة عن الأسباب التي لا تجعلنا لا نبين تاريخنا وزينا الوطني الخاص بنا، وحول إذا ما كان اهتمام الشباب بالموضة نوعا من الحرية الشخصية، قال عبد الله: «بتقديري أن هذه لا تعتبر نوعا من الحرية سواء الشخصية أو العامة، لأن الهدف من اهتمام الشاب هو إبراز نفسه بطريقة جديدة لا تتفق مع ما يراه المجتمع».
أما زميله مروان بن فارس فقال: «لقد تعودنا منذ صغرنا على أن المرأة هي التي تولي الموضة وآخر الصرعات اهتماما مبالغا، وأن اهتمام الرجل يكون بدرجة أقل من المرأة، لأن للرجل لبسا معينا وكذلك طريقة معينة في اللبس والتي تخلو عادة من صرعات الموضة، ولكن من الواضح أن الأمور بدأت تنقلب في عصرنا هذا، وبالنسبة لي فأنا لا أعترض على اهتمام الشباب بالموضة أو متابعتها.
ولكن أعتقد أن ذلك يجب أن يكون في حدود المعقول بحيث لا تصل إلى حدود التطرف كما يحدث حاليا مع معظم الشباب، ولذلك أعتقد انه يجب على الشباب أن يفهموا طبيعة مجتمعاتنا وتربيتنا التي تفرض علينا اجتناب ما يقدمه الغرب لنا من لباس قد لا يتناسب معنا». ومن جانبه أفاد محمد لوتاه: «يجب في البداية أن نتفق على أن الموضة ليست في مجملها سيئة، وكذلك الاهتمام بها، ففيها الكثير من القصات الجيدة والمحتشمة التي تبرز أناقة الشاب والفتاة على حد سواء، والأمر ذاته ينسحب على قصات الشعر أيضا.
ولكن المشكلة التي نعيشها حاليا أن بعض الشباب يحاولون لفت الأنظار إليهم من خلال إتباعهم لموضات أو صرعات غريبة بعيدة كليا عن ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا المجتمعية، وبلا شك أن ذلك يعني فقدانهم للثقة بالنفس»، وعن مدى اهتمام والديه بطريقة لبسه قال محمد: «بالنسبة لوالدي ووالدتي عادة لا يهتمون إذا كان الشعر طويلا أو قصيرا ولكن إلا يكون مقصوصا بطريقة غريبة تخرج عن الحدود، وهم لا يقيدونني بطريقة لبس معينة ولكن بشرط أن تكون أنيقة وضمن حدود الأدب، وبالنسبة لي التزم الزي الوطني».
جاسم المرزوقي : غياب دور الأسرة ادى الى تفشي الظاهرة
لمعرفة العوامل النفسية التي تؤدي بالشباب إلى سلوك هذا الطريق، وحول إذا ما كان التغيير والتمرد على العادات أسبابا كافية لقيام الشباب بذلك، التقينا الدكتور جاسم محمد المرزوقي، القائم بأعمال مدير قطاع الدعم النفسي في دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة.
والذي قال: «أساس هذه المشكلة ينبع من التنشئة والتي تتبلور بطريقة تربية الآباء وتتزحزح بالبيئة التي يعيشها الأبناء وتنهار بإهمال الآباء لأبنائهم وغياب دورهم كنماذج يستلهم من خلالها الأبناء خيوط النسيج التي تتشكل بها سمات شخصياتهم، وتنحرف بغياب القيم والمبادئ والأيديولوجيات الأخلاقية التي كانت حاضرة في الماضي كنتيجة طبيعية لغياب دور الوالدين كأعمدة رئيسية في المنزل، ومن ناحية أخرى غياب منظومة الأسرة كأساس لبناء قاعدة قوية لتنشئة الأبناء يؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية.
ففي الوقت الذي يبدأ فيه المراهق بتشكيل نسق حياته والأطر العامة لسماته الشخصية فإن الغياب والفراغ الذي يعيشه المراهق للنموذج في حياته يؤثر كثيرا في إحداث صراعات داخلية في حياته وهذه الصراعات هي إحدى أهم العوامل النفسية الدافعة لإتباع مثل هذه السلوكيات كنتيجة طبيعية لحالة الصراع والمقصود فيه تضارب المفاهيم والأدوار الوالدية لدور الجنسين في إدارة المنظومة الأسرية، غياب دور الموجه لأفعال وسلوكيات المراهقين، غياب الأطر والقوانين الداخلية للنظام الأسري، عدم الاستقرار الأسري.
وسيادة الفراغ العاطفي بين أفراد الأسرة، ونقص الإشباع العاطفي، بالإضافة إلى الدلال الزائد، ومن جانب آخر فإن العولمة أثرت بشكل كبيرة على زيادة بروز هذه الظاهرة من خلال انفتاح وسائل الإعلام المحلية بمتخلف أنواعها على الإعلام الخارجي مما سهل من استيراد منتجاتها سواء الجيدة أو السيئة مما كان له بالغ الأثر في تورم حجم هذه الظاهرة.
وحول أهم الانعكاسات النفسية لذلك على الشاب نفسه قال د. المرزوقي: «من أهم هذه الانعكاسات هو الاسترسال في تطرف الانحراف النفسي للذات، لأننا كبشر نقوم باتباع أي سلوك سواء كان جيداً أو سيئاً من خلال تكراره، وهذا الاعتياد النفسي يشكل لنا إدماناً يصعب علينا ترك أي سلوك، لأن الأساس فيه التعود على ممارستها. وبلا شك أن ما يترتب على هذه السلوكيات من ممارسات تضاعف من حجم المشكلة.
مواجهة الظاهرة
أما حول كيفية مواجهة هذه الظاهرة بطريقة صحية لا تؤثر على نفسية الشباب أفاد المرزوقي: «تكاتف الجهود ضروري جداً للوقاية والحد من انتشار هذه الظاهرة ومعالجة الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة، وهنا أركز على الدور التوعوي ومدى أهميته في الحد من انتشار مثل هذه السلوكيات وهنا يكمن دور الحكومة من خلال سن تشريعات لعدة جهات مسؤولة عن انتشار مثل هذه الظواهر، فوزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية ووزارة الرياضة والشباب والهيئة الإسلامية للأوقاف، لا بد لهم أن يتكاتفوا لصد هذه الظاهرة كل حسب اختصاصه ومن زاويته للحد من انتشارها، وبلا شك أن الأسرة هي أهم هذه المؤسسات التي إن صلحت ساهمت بشكل فعال في إرساء القيم والمفاهيم لأبنائهم وهذا بدوره سيساعد على الحد من استفحال المشكلة.
غسان خروب

