فيلم «احكي يا شهر زاد»، الذي عرض في برنامج الاحتفالات ضمن فعاليات مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في دورته الثالثة، يثبت ويبرهن أن السينما المصرية قادرة على صناعة أفلام حقيقية، وليس أعمالا تصنع من أجل إرضاء النجوم، وأجمل ما في هذا الفيلم انه يأخذنا إلى داخل الحدث الخاص لكل حكاية يقدمها، فنعيش معها لحظاتها المأساوية، لندرك أن ما هو خاص ليس بخاص، وإنما هو شيء عام يحيط بنا أينما كنا.
وجاءت علاقة كاتب بقيمة وحيد حامد، ومخرج بحجم يسري نصر الله مثمرة ومتألقة، وقدمت لنا فيلما يعتبر الأفضل بين الأفلام التي أنتجت في السنوات الأخيرة، حيث تم الجمع بين كل ما هو سياسي واجتماعي وفردي ضمن جمالية سينمائية تطرح سلطة الرجل على المرأة، واستخدامه لتلك السلطة التي تجعله دائما قاهرا لها باختلاف نوعية القهر ومداه وحجمه، داخل مجتمع لا يزال ذكوريا وما زالت فيه المرأة تابعا مقهورا. وعبرت تترات الفيلم في بدايتها عن هذه العلاقة من خلال الاستعانة بالطماطم كدليل على المرأة ونضوجها، وشبهت الرجال بمجموعة من الشوك والسكاكين التي تحاول النيل من هذه الطماطم، وبلغة الجرافيك الرائعة تم تجهيز المشاهد لمباراة حامية وقاسية تتمرد فيها المرأة على وضعها كضحية وتخوض تطورها البطولي، ما يجعلها ترتبط بأفاق متفائلة ضمن السياق العام للحياة وما فيها من إحباط وآمال.
ازدواجية الحياة
وتدور أحداث الفيلم حول (هبه) المذيعة الشابة التي تقوم بدورها منى زكي متزوجة من صحافي متميز في إحدى الصحف القومية (حسن الرداد)، وعلى الرغم من ارتباطهما بعلاقة حب؛ فان ظلال البرودة تخيم على أجواء منزلهما لاختلاف ميولهما، حيث تقوم هبه بمواجهة الواقع وتعريته من خلال برنامجها الحواري التليفزيوني (توك شو)، في حين يحاول زوجها تملق الكبار من اجل ضمان حصوله على منصب رئيس تحرير.
ومن المشاهد المهمة جدا في الفيلم وقد تبدو بسيطة لكن لها معان كثيرة، المشهد الذي يطعم فيه الصحافي زوجته المذيعة الأكل بالعافية، ومشهد لعبة أصابع اليد والقدم الذي يوحي بمغزى «أدي البيضة وادي اللي أكلها» وما لها من إسقاطات ودلالات.
ويقدم الفيلم انتقاله في حياة المذيعة عندما يطالبها زوجها الوصولي بان تخفف لهجتها في مهاجمة النظام السياسي بناء على وعود حصل عليها بتعيينه رئيسا للتحرير، فتحاول أن تتفادى الصدام مع زوجها لتقدم لقاءات مع نساء يشكلن حالة خاصة متفردة، وتقدم من خلال هذه النماذج النسائية كشف للواقع يترابط خلالها الفساد السياسي بالفساد الاجتماعي والاقتصاد، كما تتطرق هذه النماذج إلى الازدواجية التي يعيشها الناس في الواقع المصري والعربي.
فتلتقي مثلا مع فتاة تعمل في احد محلات العطور واللوازم النسائية (الفنانة التونسية فاطمة الناصر)، هذه الفتاة المتبرجة تعود بعد عملها برفقة منى زكي إلى مكان سكنها في منطقة عشوائية بثياب مغايرة، وتضع حجابا وتزيل تبرجها لتنتقل من عالم العطور إلى عالم الروائح النتنة التي تبثها أكوام القمامة الملقاة على جوانب الطرقات، وحالة الفتاة الملقبة في الفيلم «سلمى حايك المصرية» تدفع المذيعة الشابة إلى التوجه للنساء لتقديم حالات تظهر التناقض، وتبرز أن قضايا المرأة أيضا مرتبطة بالوضع السياسي، فالفساد الذي يسود شيئا ينعكس على الأشياء الأخرى.
زواج بشروط
وتكون الحكاية الأولى مع (سوسن بدر) التي تعمل في مصحة وقد فاتها الزواج في سن مناسب، يختار الفيلم من حياتها قصتها مع من تقدم لخطبتها (حسين الإمام)، مبديا بعض المطالب في مشهد يجمعهما داخل مطعم ـ لتوضيح الشروط ـ على نحو أقرب إلى الكوميديا أو الفكاهة، فمثلا يشترط أن عليهما معا القيام بمتطلبات المنزل وأنه سوف يساعدها لأنه لا يفضل وجود شغالة في المنزل.
كما أنه يحب أن يكون الطعام في البيت من طهي زوجته، لكن ربما أكثر ما أثار حفيظتها قوله أن لديه شقة (160 مترا) وعليها أن تؤثثها، وأن تبيع سيارتها مع سيارته القديمة لشراء سيارة جديدة يستخدمها هو ولا مانع لديه من توصيلها إلى عملها وفي سفرة للعمل خارج البلد عليها استخدام التاكسي.
كما أن عليها تسليمه راتبها كاملا ويقوم هو بتحديد أولويات الصرف، وتقوم سوسن بدر بإخراج سيجارة والذهاب إلى رجل يجلس على طاولة أخرى وتطلب منه إشعالها، ثم تعود إلى عريسها الذي يبدو عليه الغيظ وتسأله عن المقابل الذي ستأخذه، فيجيبها أنه سوف يكون زوجها.
وهنا تصرخ في وجهة رافضة أن تكون مجرد سلعة، وأن عليها أن تختار الرجل الذي تعطيه كل شيء، رافضة أن تكون عنوستها سببا لجعلها جارية لدى نصف رجل يستنزفها ماديا ومعنويا.
استغلال الرجل
ومن حي شعبي، تأتي الحكاية الثانية، حيث ترث (رحاب الجمل) وشقيقتاها محلا صغيرا عن والدها، ولأنها تعرف أنها لن تحسن إدارته، تترك للعامل الذي رباه والدها هذه المسؤولية، خصوصاً أنها تثق في أمانته، وبعد فترة تقرر أن يتزوج الفتى من إحدى البنات الثلاث حتى يظل على ولائه لهن، لكن البنات الثلاث يقعن في حبه، ويمارس هو ألاعيبه عليهن ويقيم مع ثلاثتهن علاقات حسية.
وعندما يكتشفن الحقيقة تقرر الكبرى قتله وتدخل السجن لتقضي عقوبة بالحبس 15 عاما، وتعري المذيعة في هذه الحكاية واقعا اجتماعيا مسكوتا عنه إلى جانب المأزق الاجتماعي الذي يحرم المرأة من الكثير من الحقوق ويضعها تحت وطأة تحكم الرجل واستغلالها.
صائد العوانس
وفي قصة الضيفة الثالثة، طبيبة الأسنان (سناء عجرود) وهي من عائلة ميسورة، نجد رجل أعمال (محمود حميدة) يتقدم للزواج بها وبالفعل يعقد قرانه عليها لكن دون زفاف لحين أن يتم تجهيز مسكن الزوجية الفاخر الذي يعده لها، وحينما تحمل منه يقول لها إنه عقيم، ويتضح لها ولعائلتها أنه ينصب عليها وأنه «صائد عوانس» رغم ثرائه الكبير الملحوظ، لكن الطبيبة بدلا من أن تطلب «تحليل الدي إن إيه» الذي يثبت بنوة الطفل للرجل وشرف مسلكها، تلجأ إلى الإجهاض بحجة قولها: «أنا لا يشرفني أن يكون طفلي من هذا الرجل».
قصة جديدة
ينتهي الفيلم والمذيعة منى زكي تتصارع مع زوجها الذي لم يحصل على منصب رئيس التحرير، وعندما تتطور الأحداث وتتدهور العلاقة بينهما تماما بعد أن يفشل في الحصول على مبتغاة، يتواجه الاثنان في فضاء مسكنهما الأنيق وجها لوجه، يتبادلان الضرب والصفع، وتتشبث الزوجة بكل ما أوتيت من قوة لكي ترد له الضربات، وبينما تتغلب القوة البدنية للرجل، إلا أن القوة المعنوية للمرأة هي التي تنتصر، فنراها تتماسك على الرغم مما أصيبت به من كدمات، وتذهب لتقديم برنامجها أو لتفجير قصة جديدة تأمل أن تهز القناعات المستقرة.
المحرك الأساسي
(احكِ يا شهرزاد) رؤية عصرية لقهر المرأة برعت فيه منى زكى، وجسدت شخصية المذيعة بمنتهى الرهافة والوعي، وكذلك الوجوه الشابة الجديدة التي أجادت في أدوار الشقيقات الثلاث وطبيبة الأسنان وحسن الرداد ومحمد رمضان فضلا عن سوسن بدر ومحمود حميدة.
وبينما يرى البعض أن المحرك الأساسي لأبطال العمل هو الجنس، يرى مخرج المخرج يسري نصرالله أن المحرك الأساسي لأبطال العمل هو الحب وليس الجنس، فسوسن بدر كانت تبحث عن الحب وليس الجنس بدليل أنها رفضت الزواج في بداية حياتها من شخص يريد أن يفرض سطوته عليها، والثلاث فتيات وقعن في حب من كان تعملن عنده، حتى جريمة القتل التي ارتكبتها شقيقتهن كانت بدافع الانتقام، وهذا دليل على الحب أيضا، وأخيرا الطبيبة التي وقعت في غرام رجل نصاب وكانت ترفض ممارسة الجنس معه قبل ليلة الزفاف.
قهر المرأة
وبالتالي يمكن اعتبار الفيلم صرخة ضد مجتمع أصبح قهر المرأة فيه عادة يومية، وسلوكا ذكوريا محببا يتفنن الرجال في أدائه، لكنها تأتي هذه المرة من رجل طالما تعاطف مع المرأة وأكرمها في كتاباته حتى ولو كانت تعمل فتاة ليل، فهو دائما يراها ضحية لأفعال الرجال على الرغم من أنها المحرك الأول لأفعالهم، هذا الرجل هو الكاتب الكبير وحيد حامد، مؤلف الفيلم والذي يستحق عمله الترحيب والنقاش وأيضا الاختلاف.
أبوظبي ـ أسامة عسل

