ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي، عرض فيلم (الزمن المتبقي) للمخرج إيليا سليمان الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه (يد إلهية) عام 2002، حيث يعود لجمهوره بفيلم آخر لا يقل عنه روعة واستكمالا للعمل الثاني (وقائع اختفاء)، ليتم ثلاثيته المبدعة عن تاريخ فلسطين وهو توثيق للذاكرة التي تحاول إسرائيل محوها، مستخدما الرصد الكوميدي المباشر لحياته كمواطن إسرائيلي عربي يعيش في الناصرة منذ 1948 وحتى الآن، وقد وصفه مهرجان تورنتو السينمائي بأنه (جسر بين إدوارد سعيد وبوستر كيتون).
مفاجأة 2009... يعتبر هذا الفيلم من أهم المفاجآت السينمائية لعام 2009، فبالإضافة إلى قيمته الفنية كعمل مشغول بدقة وحب وفهم، ورؤية مخرج أهتم بكل التفاصيل الدقيقة، نزع الأقنعة ليعري الوجوه على حقيقتها، وفض الاشتباك بين الوهم والواقع. يبدأ الفيلم بمشهد غريب: سائق تاكسي يهودي يقل إيليا سليمان من المطار، إلا أن عاصفة قوية مصحوبة بالأمطار تهب فيتوقف السائق ويعلن عدم قدرته على الاستمرار في السفر، لأنه «لا يعرف أين هو»، سليمان يجلس في الخلف، في العتمة التي لا تظهر سوى نصف وجهه، ويرسل إلينا من خلال الصمت تعبيرا مفاده: اليهودي لا يعرف المكان ولا يعرف الوصول إليه، ونحن أيضا كلنا عالقون معه في «الزمن الباقي»، فلنضحك قليلا. ويأخذنا الفيلم إلى الأيام الأولى من معارك عام 1948 التي جرت بين الفلسطينيين واليهود وشارك فيها مقاتلون عرب، ونرى جنديا عراقيا في مشهد يحمل تراجيديا سوداء يكون فيها مجموعة من الشبان المسلحين الجالسين على قهوة ويمر عليهم الجندي الذي يقول انه من جيش الإنقاذ ويريد التوجه إلى طبريا للدفاع عنها ولكنه لا يعرف بأي اتجاه تكون.
ويستحضر المخرج مشاهد من هرب المقاتلين العرب وارتداء المقاتلين اليهود لملابسهم واقتحام المدن واعتقال المواطنين فيها وقتل آخرين ويقدم مشاهد مختصرة تروي كيف ترك الناس منازلهم ورحلوا عنها على أمل العودة إليها بعد أيام.
ويقدم الفيلم صورة معقدة لحياة الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل ليصبحوا أقلية فيها، يتعلم أطفالهم النشيد الوطني الإسرائيلي باللغة العبرية ويرفعون علمها ويعمل مدير مدرسة على تأنيب تلميذ لأنه يقول «إن أميركا دولة امبريالية».
ويقدم المخرج مسؤولا إسرائيليا يحظى بالترحيب والاحترام عند زيارته للمدرسة التي يتعلم فيها الفلسطينيون النشيد الوطني الإسرائيلي ولا ينسى أن يلقي خطابا يشيد فيه «بديمقراطية إسرائيل واحترامها لحقوق الأقلية العربية فيها».
يوم الأرض
ينتقل الفيلم إلى مرحلة أخرى يكبر فيها التلاميذ ويبدأون مواجهة قوات الجيش والشرطة ويرفعون الأعلام الفلسطينية ويختار المخرج مناسبة (يوم الأرض) الذي تعود أحداثه إلى الثلاثين من مارس عام 1976، عندما اندلعت مظاهرات الاحتجاج على مصادرة أراض تعود ملكيتها للفلسطينيين في منطقة الجليل سقط فيها عدد من الضحايا بين قتيل وجريح. ويعمل الفلسطينيون على إحياء هذه الذكرى كل عام.
واختار إيليا سليمان الذي يظهر كممثل في النصف الثاني من الفيلم، أن يكون صامتا مقدما للجمهور مشاهد يكون الصمت فيها ابلغ من كل الكلام، وتعكس المشاهد التي يظهر فيها صامتا لحظات تدعو إلى التأمل، مثل المشهد الذي يكون فيه جالسا على مدخل مستشفى ويتحدث مع الخارجين والداخلين عن سبب إصاباتهم.
ويربط المخرج عبر رحلة قصيرة إلى رام الله حياة الفلسطينيين ببعضهم البعض ويقدم مشهدا من المواجهة بين شبان فلسطينيين يقذفون الحجارة على الجنود الإسرائيليين وآخر لشاب يمر أمام دبابة تلاحقه بمدفعها من دون أن يعيرها أي انتباه فيما يدعو صديقه للمشاركة في حفل صاخب في احد مطاعم المدينة.
ويقدم الفيلم تناقضا آخر في حياة الفلسطينيين يتلخص في مشهد المواجهة مع الجيش الإسرائيلي، وفي الليل يقدم مشهدا لاحتفال صاخب يشارك فيه شبان وشابات فيما تكون سيارة للجيش الإسرائيلي تنادي بحظر التجول في رام الله.
ويحظى المشهد الأخير للفيلم بتصفيق حاد للجمهور عندما يقف إيليا سليمان أمام الجدار الذي تقيمه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية ويصل ارتفاع أجزاء منه إلى ما يزيد عن الثمانية أمتار، وبعد لحظات من التفكير يقفز على الجهة المقابلة باستعمال عصا الزان التي يستخدمها الرياضيون في رياضة القفز.
رأي ناقد
ويعلق الناقد الفني طارق الشناوي الذي شاهد الفيلم للمرة الثانية بعد عرضه في مهرجان (كان) قائلا: (الزمن المتبقي) فيلم فلسطيني ولد ليبقى شاهدا على تاريخ لا يمكن لجغرافيا الاحتلال الإسرائيلي أن تمحوه، لا من الذاكرة، ولا على أرض الواقع.
وأضاف طارق عن المشاهد المؤثرة في الفيلم، والتي تبقى في ذاكرة كل من يشاهد هذا العمل قائلا: مشهد الطالب إيليا وهو في المدرسة يغني ليوم الاستقلال الإسرائيلي بالعبري والعربي، كما نرى عددا من الأنماط، مثل ذلك الرجل الذي يضع الكيروسين على جسده وفي كل مرة يهدد بإشعال النيران ثم يتراجع، ونرى أيضا الرجال على المقهى، وبينهم إيليا سليمان لا يفعلون شيئا سوى الصمت ومتابعة ما يجري في الشارع بعيون محايدة، كما نشاهد رجلين يذهبان للصيد يوميا وفي عز الليل تأتي عربات الجيش الإسرائيلي متسائلة عن أسباب وجودهما خارج البيت، وبذكاء إبداعي يكثف المخرج دائما زمن الحدث المتكرر ويترك المتفرج هو الذي يكمل ما تم اختصاره.
روح التحدي
ومع اقتراب نهاية الفيلم يؤكد طارق: إن روح إصرار مواجهة الشباب في رام الله كانت واضحة من خلال ذهابهم إلى الديسكو تيك، متحدين قرار حظر التجول الذي أعلنته الحكومة الإسرائيلية، الشباب الأعزل يقاوم بالهتاف والحجارة وأيضا بممارسة الحياة، بينما المحتل الإسرائيلي لديه الجنود والعتاد والذخيرة وليس لديه الحق في مصادرة حق الحياة.
وللدلالة على المقاومة المدنية المغلفة بروح التحدي والسخرية يقدم إيليا سليمان مشهدا لامرأة تجر عربة بها طفلها الرضيع، ويقول لها الجندي الإسرائيلي: «عودي إلى بيتك» ترد عليه قائلة «عد أنت إلى بيتك»، وتستمر في طريقها.
وأيضا من المشاهد التي قدمها بخفة ظل، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على أن تقول كثيرا بلا صخب، هذا الشاب الذي يتحدث في المحمول وفي الوقت نفسه تتابعه فوهة الدبابة الإسرائيلية، إنه يتحرك في الشارع أمام بيته ويجري مكالمة مع صديق له، لكن الخوف الإسرائيلي الكامن في الأعماق لا يعترف إلا بالقوة الغاشمة التي لا تشعر بالأمان إلا وهي تشهر أسلحتها الثقيلة في وجه المواطنين العزل الأبرياء.
في فيلم (الزمن المتبقي) حرص المخرج على أن يظل الإيقاع متمتعا بروح ساخرة، وكان يلجأ إلى التوثيق في رؤية أشبه وأقرب إلى التسجيل اليومي للأحداث، عندما يجد أن تلك الوسيلة قادرة على الوصول للجمهور، والحفاظ على روح فيلمه، وأحيانا أخرى يتكئ على الخيال، ويرسم للشخصيات الواقعية مواقف درامية عندما يكتشف أنها الوسيلة الأنسب للتعبير عن الحقيقة التاريخية.
أبوظبي ـ أسامة عسل

