احتلت السينما المستقلة في مصر مكانة مميزة خلال السنوات الأخيرة، وصارت منافسة قوية لنظيرتها التجارية رغم ما يواجهها من عقبات مالية ورقابية، واتسعت جماهيريتها، وزاد التقدير النقدي لها بسبب حرصها على الجودة الفنية وتمردها على قيم السوق، وانحيازها لمشاكل المهمشين والمسكوت عنهم، أو لتعبيرها بطريقة وأسلوب جديدين عن واقع الحياة المعاش بمفرداته وإشكالاته.
ويعتبر فيلم «هليوبوليس» للمخرج أحمد عبدالله، والذي عرض ضمن مسابقة الأفلام الروائية لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبوظبي، دليلا على الاحتفاء المصري بهذه السينما، ومؤشرا في الوقت نفسه على مكانتها المستقبلية، وكانت الشركة العربية للتوزيع والإنتاج، وهي إحدى كبريات المؤسسات السينمائية التجارية في السوق المصرية، قد اشترت حق عرضه وتوزيعه جماهيريا، وهي المرة الثانية التي سوف يرى فيها فيلماً مستقلاً النور ويعرض على نطاق جماهيري واسع بعد فيلم «عين شمس» الذي عرض في بداية موسم الصيف السينمائي المصري لهذا العام.
و«هليوبوليس» تجربة جديدة وجريئة تبتعد عن القوالب النمطية السائدة في السينما المصرية، أنتج بجهود شخصية، وبميزانية ضئيلة شارك فيها النجم خالد أبو النجا، حيث يؤدي كل فريق العمل في الفيلم دوره بشكل تطوعي تماما، وبلا أجر، وتم تصويره بتقنية «الهاي ديفينيشن»، وقام بتصويره شباب سينمائيون جدد، أغلبهم يخوض تجربة الفيلم الطويل الأول، ويعتبر أيضا العمل الأول لمخرجه أحمد عبدالله تأليفا وإخراجا، وإن كان قد عمل في الحقل السينمائي كمونتير لمدة طويلة.
ليلة واحدة
وتتناول أحداث الفيلم مجموعة من القصص التي تدور في ليلة واحدة في قلب هذه الضاحية القاهرية، وكل قصة من القصص التي يتم رصدها بالكاد تتقاطع مع البقية، دون الدخول في تفاصيلها، بل يتم النظر إليها سريعا من خلال باب موارب، و لكن تسير الأحداث بشكل متواز فيما بينهم حتى صباح اليوم الجديد، مكتشفين تفاصيل عدة في حياة الشخصيات التي نراها، بغض النظر عن أهمية و قوة الحدث، وإنما تتبين أزماتهم وأبعادهم من خلال الحياة اليومية العادية، وينتهي يوم جميع الشخصيات بنوع ما من الإخفاق فيما اعتزموا على إتمامه في هذه الليلة، وينام الجميع على أمل أن يعيدوا المحاولة في اليوم الجديد.
و تسير هذه الأحداث علي خلفية منطقة مصر الجديدة القديمة، الجزء الذي يعد شديد الخصوصية بين أحياء القاهرة لتفرده المعماري، والبصري، فضلا عن تعددية الحي الذي طالما احتوى أقليات و طوائف و عوالم خاصة يمر بها الفيلم، كتحية لتلك الفترة التي كانت فيها القاهرة مدينة متعددة الأشكال والألوان.
5 شخصيات
يبدأ الفيلم في الصباح الباكر ليوم قاهري، مستعرضا البيوت وزحمة السير المعتادة في الشوارع الضيقة، حيث نتابع رحلة خمس شخصيات يمضي كل منها تلك الليلة وهو يتسكع في طرقات المدينة على غير هدى محاولا إيجاد الحلول لما يلاقيه في حياته من متاعب، إبراهيم (خالد أبو النجا) شاب جامعي يحضّر رسالة الماجستير عن الأقليات المتبقية في مصر الجديدة، وما طرأ من تغيير على الأماكن والمحلات الشهيرة والمعالم الرئيسية، يعتلي ملامحه حزن دفين لقصة حب فاشلة، هدفه الخروج من زيارته لليهودية العجوز فيرا (عايدة عبد العزيز)، بالحصول على أكبر قدر من المعلومات الموثقة بتصوير الفيديو الذي ترفضه وتخشاه واعدة إياه بالتفكير في هذا الأمر اليوم التالي.
وفي نسق آخر نجد الدكتور هاني (هاني عادل) الذي يحاول أخذ تأشيرة للسفر إلى فرنسا للحاق بأفراد أسرته الذين هاجروا واستقروا هناك، ونجد ملامح الضيق والتوتر عليه وهو ينهي إجراءاته في السفارة أو يعرض شقته للبيع، أومن خلال علاقته بكلبه ذي المواصفات الخاصة والذي يظهر عليه الكبر وأيضا الحزن لفراق صاحبه، وكأن اللحظات الأخيرة له في أيامه المتبقية بمصر تزحف ببطء السلحفاة، دون نتيجة فعلية لأي شيء، ونتعرف على سارة (يسرا اللوزى) التي تكن له المشاعر وتدعوه إلى زيارتها لمشاهدة بروفتها الأخيرة على تراتيل القداس الذي سيتم الاحتفال به في الكنيسة.
وعلى الجانب الآخر نجد شابا وفتاة في رحلة التجهيز لبيت الزوجية يأخذهم إيقاع اليوم السريع وزحمة السير وتوقفه لساعات انتظارا حتى تنتهي تشريفة «السيد الرئيس»، دون شراء الثلاجة التي يخططون لشرائها أو رؤية الشقة التي يحاولون الحصول عليها بعد تأخرهما عن ميعاد صاحبها، ويعودان في نهاية اليوم خاليي الوفاض وقد ارتسمت على وجهيهما تعبيرات الحزن والأسى، والخوف من الفشل رغم مشاعر الحب بينهما، وفي رصد لعناصر أخرى نشاهد إنجي (حنان مطاوع) موظفة الاستقبال في فندق «هليوبوليس بالاس» تلك الفتاة القادمة من ريف طنطا، والتي تكذب على أهلها مدعية سفرها إلى فرنسا، وتتواصل معهم من خلال عامل الفندق الذي تعطيه رسالة و500 جنيه.
مؤكدة عليه أن يبلغهم أن هذه الرسالة والمبلغ المادي جاءا مع صديق له من أوروبا، وفي مشاهد معبرة ورائعة نتابع عسكري الحراسة لسور القصر الجمهوري وهو يقضي يومه في كشك خشبي، وبدون أي حوار تنقل الكاميرا كادرات في غاية الإبهار لخروجه ودخوله أو استراحته في الكشك ولتناوله الغداء الذي هو عبارة عن رغيف خبز فقط، وأدائه للصلاة، وعلاقة الصداقة التي ينشئها مع كلب بلدي، وفراقه له في نهاية اليوم.
مشاركة صوتية
وتأتي المشاركة الصوتية في نهاية الفيلم من خلال الممثلة هند صبري، والتي تتركها على «الأنسر ماشين» باعتبارها حبيبة إبراهيم التي تهجره بحثا عن الزواج السريع، لتجمع خيوط الفيلم في عبارة أن الغد من الممكن أن يكون أفضل من اليوم، رغم إحساس الجميع بأن الأوضاع والأيام كلها في مصر متشابهة.
ينتهي الفيلم ومدته 103 دقائق، وكل مشهد فيه يسلمك للآخر في بناء معماري شديد الإحكام، يتصاعد في رقة وقوة، وكأنه سيمفونية من الأضواء والظلال، والمشاعر الجميلة المحسوسة والمنطوقة، دون الدخول في تفاصيل الحكايات التقليدية، فالتميز في التصوير والموسيقى والمونتاج يشكل صورة جديدة للعين، تدفع العمل كله إلى رحلة في الأعماق، من خلال مواقف شديدة البساطة والعفوية، ولكنها عميقة المغزى، فالشخصيات تلتقي وتمارس حياتها اليومية العادية، أحيانا تتحاور وأحيانا تلوذ بالصمت، وبين نهار ومساء يكون كل شيء قد اتضح .. وتنزل تيترات النهاية.
أبوظبي ـ أسامة عسل
