الخطى تتجه نحو سوق الذهب، المدام في رحلة تسوق لاقتناء بعض الهدايا، وقفة متأنية أمام تشكيلة لماعة من الجواهر والمشغولات الذهبية.. تختار ما يناسبها بعد مشاورات وجولة «مكاسر» مع البائع، شغف المناسبة لم يُنس المدام إمضاء وقتٍ إضافي لاختيار هدايا للخادمتين، فإحداهن على وشك السفر ولابد من «دهان سير» حتى تعود الخادمة للعمل مجدداً، بينما تُكافأ الأخرى شحذاً للهمم ودرءاً لموجات الغيرة بين الخدم.

الود السائد والتفاهم المتبادل بين المدام والخادمة ليس خلطة سرية، بل العلاقة تشبه اتفاقية رسمية تخضع لشروط وقوانين يدركها كل من الطرفين جيداً، خاصةً منذ اللقاء الأول في مكتب الخدم الذي مهّد لتلك العلاقة وكان سبباً في استمرارها..

أو انقطاعها، حكايات النساء في ذلك المكان أصبحت خبرات يتداولنها كوصفة نجاح لضمان استقرار عائلي وأمرٍ يستفسرن عنه في جلساتهن اليومية، تعترف العديد منهن بأن استقرار الخادمة سبب رئيسي في استقرار «المدام»، ولا تنطبق تلك المعادلة على الموظفات فحسب، بل تشمل ربات المنازل اللاتي انحسرت أدوارهن في ظل اتساع الالتزامات العائلية فكان لا بد من تقاسم تلك المهمة مع الخادمة مع ضرورة عدم ترك الحبل على الغارب.

تؤيد علياء سيف، موظفة وأم لثلاثة أولاد الحرص على استقرار وضع خادمتها لإيمانها بأنه موصول باستقرارها الأسري والوظيفي، علياء التي أدركت تلك الحاجة بعد أن كبر أبناؤها في ظل وضع مستقر بوجود الخادمة يمكن الاعتماد عليها، بعد هروبها تقول علياء: «اضطربت أوضاع المنزل بعدما تركته الخادمة بعد أن كانت أموره تمشي بانتظام الساعة، واضطُررنا لتقسيم العمل بيننا وشخصياً أدركت صعوبة الاستيقاظ مبكراً، وأدركنا جميعاً قيمة استقرار الخادمة في وظيفتها وانعكاسه على سير أمورنا اليومية».

نقاط وحروف

يبدو استشعار الخلل في أسلوب معاملة الخادمة أقصر الطرق إلى عودة مياه الود إلى مجاريها، إن كان بالدلال أو الحرمان، ومنع الخادمة من استخدام زيت الشعر كان سبباً كافياً لهروبها في هذه الحالة. تؤكد علياء أنها اكتشفت اليوم الطرق المُثلى للحفاظ على استقرار تلك العلاقة بعيداً عن هروب الخادمة أو اضطراب أوضاع المنزل، فبين جدران مكتب الخدم يجب أن توضع النقاط على الحروف ويعرف الطرفان حقوقهما وواجباتهما والخطوط الحمراء الواجب عدم تجاوزها، فالأمر هنا أشبه باتفاقية يبرمها الطرفان على مرأى صاحب المكتب، حيث تعتبر علياء أن أي إخلال بالشروط يُحيل الخادمة إلى مكتب الخدم دون عودة.

ومن أوجه التدليل التي تُحافظ على انطباع حسن لدى الخادمة منحها حق التواصل مع ذويها بمجرد الوصول إلى منزل المخدومة، وذلك من باب الأمان والاطمئنان، والتي تعدها مريم غانم ؟ ربة منزل ؟ وصفة لكسب ثقة الخادمة وترك انطباع حسن لديها، بالرغم من كونها ربة منزل متواجدة بصورة دائمة بالقرب من أطفالها إلا أنها تحرص على تدليل الخادمات، من باب الرحمة والمعاملة الحسنة، وتقول «لا يمكن أن تمر مناسبة كالأعياد دون أن نشركهن في الاحتفال بها، سواء بالملابس الجديدة أو بالعيدية، وبالمقابل هنّ لا يدخرن جهداً في تقديم خدمة أفضل، خاصةً فيما يتعلق بمعاملة الأطفال التي أعتبرها أمراً أساسياً لبقاء الخادمة».

بين شد وجذب تتفق النساء على ضرورة التعامل مع الخادمة على أساس قائمة من الشروط والمحاذير، وتعود علياء لتؤكد أن توفر «الموبايل» لخادمات اليوم شر لا بد منه، مع أهمية ضبط العملية ومراقبتها، «شخصياً لا أسمح سوى بالمكالمات الخارجية، ولا أسمح بالحديث الدائم على الموبايل فذلك يشتت تركيزها وبالتالي تركيزنا».

استقرار الخادمة والتزامها والمدام بالأسلوب المتفق عليه يولد علاقة طيبة، تترك أثرها على حياة جميع من يقطنون المنزل، خاصةً الأبناء. وتذكر علياء حرص الخادمة على الاحتفال بذكرى ميلاد أحد الأطفال، وغيرها من المناسبات الخاصة، فحرص بالتالي الأبناء على الاحتفال بذكرى ميلاد الخادمة كنوع من التقدير المتبادل.

توازن مطلوب

ويشمل الالتزام بقائمة الشروط في نظر موزة بطي ؟ ربة منزل وموظفة- التزام المخدومة بدفع راتب الخادمة في وقته، وعدم التهاون في ذلك، كما تحرص موزة على زيادة رواتب الخدم بصورة دورية أو تقديم العيدية أو الهدايا في مواسم السفر، وكنوع من تحقيق التوازن في غياب العائلة حرصت على اصطحابهم خلال السفر مع العائلة خلال إجازة الصيف، وذلك ما تٌقدم عليه العديد من العائلات بهدف ضمان الحفاظ على جودة الخدمات المقدمة في الترحال كما في الحل.

استقرار وضع الخادمة ليست مسؤولية المرأة فحسب، بل كل من يحظى بخدماتها هو مساهم رئيسي في استقرار الوضع أو اضطرابه، فعلى رب الأسرة تحديداً تأمين ظروف الاستقرار العائلي، تشكو سميرة من هروب الخدم بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة ما سبب لها قلقاً دائماً بضرورة تعليم الخادمة مجدداً وتعويدها على انتظام الأمور في المنزل، وتعزو السبب في ذلك إلى المعاملة السيئة التي تلقاها من رب الأسرة والتهديد الدائم بالفصل من العمل وتأخير الراتب.

تتفق النساء أن علاقة الخادمة بمخدوميها ليست لغزاً، هي ممارسات تحتمل الخطأ والصواب، وإيجاد منطقة وسطى بين التدليل والحرمان، مع أهمية الأشراف الدائم أمور تحقق استقراراً نسبياً.

أمل الفلاسي