عرض أول من أمس في قصر الإمارات بأبوظبي المركز الرئيسي لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي، الفيلم السوري «الليل الطويل» قصة وسيناريو وحوار هيثم حقي وإخراج حاتم على، وهو أحد أهم الأعمال المشاركة في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
ويعتبر هذا العرض الرابع للفيلم بعد تقديمه في مهرجان وهران بالجزائر، وحصوله على جائزة «الثور الذهبي» الكبرى في الدورة 55 لمهرجان تاورمينا لسينما دول البحر المتوسط، وحصوله أيضا على تنويه خاص في مهرجان الفيلم العربي بهولندا، ومن المعروف أنه ممنوع عرضه في سوريا، وهو من إنتاج القطاع الخاص ومولته شركة «ريل فيلمز» التابعة لشركة أوربت التلفزيونية التي يديرها هيثم حقي، وقد صور بإمكانات إنتاجية متواضعة وكاميرا رقمية «ريد سينما» ونقل بعدها إلى 35 ملم.
حالة مستهجنة
ويلعب أدوار البطولة في هذا الفيلم نجوم سوريون بينهم خالد تاجا وسليم صبري وحسن عويتي ونجاح سفكوني وباسل خياط وأمل عرفة ورغد مخلوف ورفيق سبيعي، كما يشارك فيه التونسية أنيسة داوود وحاتم علي نفسه الذي يعود من خلاله إلى التمثيل بعد سنوات تفرغ فيها للإخراج.
ويركز «الليل الطويل» على البعد الإنساني لقضية السجن السياسي، من خلال مجموعة من أربعة أشخاص تم حبسهم لسنوات طويلة في زنزانة واحدة، ويتم إطلاق سراح ثلاثة منهم في ليلة مليئة بالاستعدادات والإجراءات والتي تبدو أطول من كل تلك السنوات التي قضوها داخل المعتقل.
يتميز الفيلم بجرأته في ظل الواقع السياسي السوري المعاصر، حيث رصد حالة مستهجنة تقع ليس في المجتمع السوري حسب، وإنما في أغلب المجتمعات العربية التي تعاني من القهر والقمع السياسيين، بل هناك دول في العالم مرّ أهلها بمراحل تاريخية من هذه النوعية، ولعب النص السينمائي على الوتر الإنساني والمشاعر البشرية وحاول الولوج إلي أدق التفاصيل ليبتعد عن خصوصية الحدث ويعممه، ونجح في ذلك ليكسب مساحة من مخزون ذكريات جنسيات أخرى.
ورغم أن إيقاع الفيلم رتيب وممل بعض الشيء ولكن هذه الرتابة كانت تتناسب مع طبيعة الفكرة الرئيسية، حيث يقضي السجناء عشرين عاما أو يزيد بين جدران السجون. وحينما يطلق سراحهم تتبدل حتى الأمكنة التي كانت مرسومة في أذهانهم، وهي حالة سينمائية ذات حس شعري، ودلالات سياسية واجتماعية، تحتاج إلى إعادة قراءة ومشاهدة أكثر من مرة.
وتدور الأحداث خلال 24 ساعة ممتدة من غروب شمس يوم إلى شروق شمس اليوم التالي، عندما يصدر قرار بالإفراج عن مجموعة من المعتقلين السياسيين في سجون حزب البعث الحاكم، وذلك في عهد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد.
حيث يتم التنويه بالأخبار المسموعة عن ترحيب الرئيس الفرنسي شيراك بالتغيرات السياسية التي تشهدها سوريا في هذه المرحلة، وكما تشير صورة الرئيس بشار الأسد الموضوعة في خلفية مكتب المسؤول الأمني الذي يبلغ المعتقلين بقرار الإفراج، كما يتم إبلاغ أبنائهم بهذا القرار في الليلة نفسها ليستعدوا لاستقبالهم.
وهنا تبدأ ملامح الفيلم بشكل واضح، الآباء المعتقلون يمثلون الجيل السابق الذي تم الزج به في السجون، نتيجة كونه معارضا ومناهضا للحكم الذي تسبب فيما وصلت إليه الأمور من تدهور لكافة الأوضاع، وجيل الأبناء الذي يمثل الأجيال التالية التي عاشت حياة أكثر راحة وبساطة، بعد أن تخلّت عن القيم التي زرعها فيهم آباؤهم المعتقلون، ويرمز العمل لتلك القيم من خلال أسماء الأبناء التي نسمعها طوال الأحداث مثل( نضال وكفاح وثائر وعروبة).
ومن خلال توالي المشاهد نكتشف أن أبناء المعتقلين تزوج بعضهم بعضا، ليشكلوا ملامح المجتمع الحالي بكل تناقضاته ومشاكله، فهناك الابن المهاجر ثائر والذي تزوج ابنة صديق والده المعتقل معه، وسافر إلى باريس ليعيش هناك هو زوجته وابنته حياة فرانكفونية تخلو من روح الشرقية، يأكل فيها كل منهم بمفرده، ويتحرك بمفرده، ولا تدب الروح في تلك الحياة إلا عندما يصل إلى ثائر وزوجته نبأ الإفراج عن أبويهما.
ملامح حياتية
وعلى الجانب الآخر، هناك «نضال» أكبر الأبناء، الذي يلقب أبوه باسمه «أبو نضال»، وهو رب الأسرة الطيب الذي عاش في منزل والده، وتزوج وأنجب، وفي الليلة التي علم فيها بنبأ الإفراج عن أبيه يقرر أن يخلي له غرفته التي احتلها هو وزوجته، وأن يعيد إليها كل الأثاث الذي تبعثر في المنزل بعد اعتقال الأب، وتعليق كل الصور القديمة التي أزيلت، في دلالة واضحة على تغير شكل الحياة، واختفاء ملامح العالم القديم الذي ضحى الآباء بأعمارهم من أجله.
ولا يبقى من حملة مشاعل إرث الآباء القديم سوى «كفاح» أصغر الأبناء الذي لا يلهث وراء حياة الراحة ولا يعنيه الثراء، فهو من أنصار شعار (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)، ويتحول إلى صوت الضمير الذي يستيقظ في تلك الليلة ليشتبك مع إخوته، مذكرا إياهم بالحقيقة التي مسحتها سنوات الاعتقال الطويلة للآباء.
وهي أنهم رضوا بأن تصاغ حياتهم وفق القيم والملامح التي رفضها جيل الآباء، بل تمادوا في أنهم عارضوا رغبة آبائهم في كل شيء، فمثلا أختهم (عروبة) والتي قدمت شخصيتها بأداء متميز النجمة أمل عرفة، تزوجت من ابن صديق والدها المعتقل، دون إرادة الأب الذي كان معارضا لهذه الزيجة، وفجأة في الليلة التي سمعت فيها نبأ خروج الأب اكتشفت أن عليها أن تواجهه للمرة الأولى بأنها تزوجت رغما عن إرادته.
ولم يركز الفيلم كثيرا أمام الشخصيات الأخرى رغم ثرائها، فهناك الصديق الرابع المتروك في غياهب السجن، يحلم بعودة مهرجان المسرح، والصديق الذي وشى بأصدقائه ـ رفيق السبيعي ـ دون شعور بوخز ضمير، لكن نجح المخرج باقتدار في نقل تفاصيل الإحساس بين قضبان السجن ومواجهة الحياة التي عبر عنها زملاء أبو نضال بالركض على الطرقات، والتأمل لألوان الفاكهة والخضروات.
وكانت مفردات تعبير الكاميرا من خلال لقطات سقوط الماء نقطة نقطة في زنزانة السجن دليلا على بطء الزمن في المعتقل، وعلى المقابل كان غليان الماء في مطبخ «عروبة»، ثم الانتقال إلى إناء الطعام المغلي في منزل أخيها «نضال» دلالة على غليان نفوسهم بالتوتر بعد سماع نبأ الإفراج عن الأب.
ويكتشف الجميع في نهاية مفتوحة تدعو إلى الأمل، أنه ليس كل ما عارضه الآباء في الزمن الماضي كان يستحق المعارضة، وأن آراءهم ليست مطلقة وإنما تحتمل النقاش والرفض، ومن هنا تأتي قوة هذا الفيلم الذي لا يتخذ جانب أحد، لا المعتقلين ولا المجتمع الذي اعتقلهم، وإنما يطرح تلك المشكلة تاركا لذهن المشاهد أن يغادر السينما محملا بأفكارها.
أبوظبي ـ أسامة عسل
