مر شهر واحد فقط على إنشائها واعتمادها كنيابة منفصلة للأسرة والأحداث ضمن هيكل النيابة العامة في دبي، فانهالت عليها عشرات القضايا لكونها الجهة القضائية المختصة بالأسرة والأحداث على مستوى إمارة دبي..

وعلى الرغم من انحسار عدد القضايا الواردة إليها، وهي بطبيعة الحال لا تمثل إلا جزءاً بسيطاً من قضايا الأسرة والأحداث على مستوى دبي، إلا أن كثيراً من المؤشرات بدت لافتة إلى حد يثير تساؤلات متعددة حول فحوى تلك القضايا.وفي هذه النيابة التي تُعنى بقضايا الأسرة والأبناء دون سن الثامنة عشرة كما يؤكد المستشار محمد علي رستم، رئيس نيابة الأسرة والأحداث، تحددت مجمل القضايا الواردة التي تخص الأسرة، في مسببات الضرب والتهديد والشتائم والسرقة بين الأزواج، وجميعها دعاوى مقدمة من زوجات ضد أزواجهن، باستثناء واحدة من زوج ضد زوجته التي تسرقه. قضايا العرب أكثر وبحسب ما يوضح المستشار علي رستم فإن غالبية القضايا الواردة إلى نيابة الأسرة هي لأزواج عرب، مناصفة بين المواطنين والوافدين العرب.

باستثناء واحدة لزوجين أجانب، وذلك على الرغم من العدد الكبير نسبياً للأجانب في دبي، وذلك مؤشر يتطلب تفصيلاً وشرحاً وافيين، مع التأكيد أن تلك الأرقام والمؤشرات ليست دقيقة، طالما أن القضايا الواردة إلى النيابة تأتي من مراكز الشرطة.حيث أن أزواجاً كثيرين يترددون قبل دخول مراكز الشرطة للإفصاح عن مشكلاتهم الأسرية، وبالتالي يلجأون إلى المحكمة مباشرة، أملا في الحصول على قدر أكبر من الخصوصية، والمؤسف أن غالبية الأزواج يأتون بنية الطلاق، رغم نجاح النيابة والمحكمة كذلك في إعادة بعضهم إلى عش الزوجية في حالة أفضل.

مفارقة أخرى تبدو أكثر خطورة، تمثلت في أن مختلف القضايا الأسرية كانت لأزواج شباب حديثي العهد، لم يمضِ على زواجها خمسة أعوام على أبعد تقدير، بل إن معظمهم في السنوات الثلاث الأولى من الزواج، وأكثر من ذلك هنالك حالات لم يمضِ على زواجها عام واحد.. وفي أغلبها ظل الضرب والاعتداء على سلامة الجسد سيد الموقف والدافع الأساس الذي أتى بأزواج شباب إلى ساحة القضاء، ومما تبين أن أكثر تلك الحالات تصر على الطلاق رغم جهود النيابة في إصلاح ذات البين وإعادة المياه إلى مجاريها.

تعاطي مخدرات

المستشار محمد علي رستم أكد أنه في اليوم الواحد تتلقى نيابته الجديدة ثلاث قضايا تخص الأسرة والأحداث، معظمها اعتداء وشتم وتهديد، باستثناء قضية واحدة لحدث يتعاطى المخدرات، مشيراً إلى أهمية وجود نيابة مختصة بالأسرة والأحداث في دبي، التي من شأنها أن تمنح المشكلات الأسرية متسعاً أكبر للحفاظ على وتيرة إيجابية بين الأزواج، لا سيما وأن واحدة من مهام النيابة تختص في جانب قضايا التوعية المجتمعية والإرشاد الأسري، انطلاقاً من تعليمات النائب العام لإمارة دبي عصام عيسى الحميدان في اللجوء إلى الصلح في القضايا الأسرية، علاوة على وجود نية لعقد محاضرات في المدارس تستهدف الأحداث، حيث أن النيابة لا تزال في مرحلة التأسيس، وهي بالتأكيد تجسد فكراً مغايراً في التعامل مع قضايا الأسرة والأحداث.

آمنة بو عصيبة وكيل نيابة مساعد في نيابة الأسرة والأحداث، وهي واحدة من ثلاث وكيلات تم تعيينهن كعنصر نسائي للمرة الأولى في تلك النيابة، أوضحت أنها تتولى مهام التحقيق في القضايا، وإحالة الدعوى إلى المحكمة أو إلى الباحثة الاجتماعية، لعرض الصلح على الأطراف «الأزواج» أو لبحث حالة الحدث، لافتة إلى أن أغلب حالات الأزواج التي صادفتها هي من الشباب، وقضايا الاعتداء والضرب والشتم هي الأبرز.

وأشارت إلى أن أغلب الأزواج يأتون إلى النيابة وفي مخيلتهم إرادة واحدة وهي الطلاق، فيما يكون دور النيابة التحقيق في القضية والبحث عن مخرج للصلح بينهما، وفي حال الإصرار تحال القضية برمتها إلى المحكمة، منوهة إلى أن دور نيابة الأسرة والأحداث يبدو محورياً وأساسياً، حيث أن قضايا الأسرة والأحداث تظل حساسة ومهمة ولا بد من إتاحة متسع أكبر للتعامل معها بخصوصية وتخصص، حتى لا تبخس حقها بين كم القضايا المتراكم في النيابات الأخرى.

وضعنا مجمل تلك المؤشرات والأرقام بين يدي الدكتورة علياء إبراهيم المستشارة التربوية والأسرية والخبيرة في التنمية الأسرية، التي أكدت أن العالم العربي بأسره يعاني من ظواهر أصابت أسراً كثيرة مثل العنف الأسري النفسي والجسدي والاقتصادي، وعقوق الوالدين وانحراف المراهقين. ولعل من أهم ما يمكن الوقوف عنده، بحسب ما تؤكد الدكتورة علياء إبراهيم، هو مجموعة من العوامل التي أفرزت العنف الأسري بأشكاله المتعددة.

حيث أن خروج المرأة للتعليم والعمل، مع ارتفاع المستوى الاقتصادي، جعل نسبة لا يستهان بها من الزوجات العاملات لا تدرك كيفية تحقيق التوازن بين البيت والعمل، فكان الاعتماد كلياً على الخادمة في تربية الأبناء والبنات، وبالتالي ظهر جيل يفتقر للثقافة الزوجية أو الأسرية، وأصبح الآباء والأمهات مجرد مصدر اقتصادي للأبناء، وتراجع دورهم التربوي، وهو ما أفقد الأبناء قيم الزواج ومنهجية الاختيار والقوامة وحقوق واجبات الزوجين، بل وأبسط الأسس في إقامة علاقة زوجية.

معايير جمالية

وتوضح المستشارة التربوية والأسرية، تراجع دور الأسرة الممتدة التي ساهمت في الماضي في إمداد الأزواج بالنصح والإرشاد المستمر، وفي ظل عصر الانفتاح والعولمة وعصر صناعة الجمال وثقافة المظهر، أصبح اختيار الأزواج يقوم على عوامل مختلفة منها الجمال الشكلي والوسامة والقدرات المالية، والاهتمام بالتكاليف الباهظة للزفاف والمهر والشبكة والمظاهر الزائفة، فتراجع الاختيار على أساس الدين والخلق، علاوة على الأمية الدينية لدى جيل الشباب تحديداً، والضغوط الاقتصادية والنزعات الاستهلاكية، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة الطلاق المبكر، الذي يكون في السنة الأولى من الزواج وربما قبل خروج الجنين إلى الحياة.

الدكتورة علياء أكدت أيضاً أن دولة الإمارات تعد موقع جذب للجنسيات المختلفة، لعوامل إيجابية كثيرة، فمجتمع الإمارات متعدد الجنسيات العربية والأجنبية، وعليه فإن الإحصائيات التي تشير إلى تزايد العنف الأسري داخل نطاق الأسر العربية، مقارنة مع الأجنبية، تبعاً للإحصائيات الصادرة عن نيابة الأسرة والأحداث، تغفل نقطة مهمة، وهي أن الجنسيات الأجنبية سرعان ما تلجأ إلى سفاراتها ومنظمات حقوق الإنسان في كثير من المشكلات التي تواجه الأسرة.

80% من ممارسي العنف تأثروا بمشاهدة الأفلام

في ظل تراجع هيبة الأسرة الممتدة ودور الآباء والأمهات في العملية التربوية، ضَعُف ـ كما تقول الدكتورة علياء ـ جهاز المناعة لدى الشباب والمراهقين، فتلقوا مختلف الفيروسات التي تبث عبر الفضائيات، من كرتون ودراما وأفلام وبرامج وإعلانات تحمل رسائل وسَّعت نطاق العنف والحرية السلبية والعلاقات غير الشرعية والاغتصاب في نطاق الأسرة.

وفي ذلك الإطار تلفت الدكتورة علياء إلى دراسة ميدانية حديثة نشرت في إحدى الصحف المصرية، وأشرفت عليها أستاذة في القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، التي تشير إلى أن أكثر من نصف الذين خضعوا للدراسة هم مرتكبو العنف داخل أسرهم، وجميعهم يمتلكون أجهزة تلفاز، حيث بلغت نسبتهم أكثر من 54% من إجمالي المبحوثين، كما أقر 80% منهم بأنهم تعلموا أساليب ارتكابهم لذلك السلوك السلبي من خلال مشاهدة أفلام العنف، التي بلا أدنى شك تؤدي إلى تقوية النزعة العدوانية لدى الأطفال والمراهقين، وهم أزواج وزوجات المستقبل.

زوجات يتكتمن على العنف ويعشن طلاقاً عاطفياً

شددت الدكتورة علياء إبراهيم على أن الإحصائيات المستمدة من مراكز الشرطة ونيابة الأسرة، لا تعطي مؤشرات واقعية عن حجم العنف الأسري في المجتمع، لأسباب كثيرة، منها أن العديد من الأسر تميل إلى إنهاء خلافاتها داخل نطاق أسرة الزوج أو الزوجة، أو مكاتب الاستشارات الأسرية الخاصة، أو التابعة للمؤسسات الأسرية والجمعيات الأهلية، إضافة إلى أن أزواجا آخرين يتكتمون على العديد من المشكلات الأسرية، وحتى على العنف الممارس من أحد الأطراف، خوفاً من الفضيحة.

وأوضحت أن هناك حالات لزوجات ليس لديهن دعم اقتصادي أو اجتماعي سوى الزوج، فتستمر الحياة في ظل ممارسات عنيفة وإيذاء يلحق بالزوجات يمتد أثره إلى الأبناء، مشيرة إلى حالات طلاق عاطفي وانفصال صامت غير معلن في العديد من البيوت العربية، وهو شكل من أشكال الإيذاء النفسي للأزواج والأبناء.

دبي ـ عنان كتانة