كأن على رؤوسهم الطير؛ وإن رميت بإبرة فستسمع رنينها، محبوسة أنفاسهم؛ تسمع ضحكاتهم في أول نصف ساعة، وترهف لصوت نشيجهم وقطرات دموعهم طوال ما تبقى من وقت إلى النهاية، كانت هذه هي صورة الجمهور الغفير الذي حضر عرض فيلم »ابن بابل«للمخرج العراقي محمد الدراجي الذي جرى عرضه في الليلة الثانية لمهرجان، وهو الفيلم الذي يصوّر رحلة البحث في بلد «المليون مفقود» عن شخص عراقي جرى اعتقاله أيام نظام صدام.
يصعب الحديث في هذه العجالة عن التفاصيل الفنية البحتة لفيلم «ابن بابل» فقد أجمع الحضور من فنانين ونقاد والجمهور بجنسياته المختلفة على قوة الفيلم والأداء المؤثر لأبطاله الذين واجهوا الكاميرا للمرة الأولى، أو الحديث بالتفصيل عن الفلسفة البصرية المدهشة التي اشتغل عليها مخرجه الدراجي حيث ظهر الفيلم متكاملاً من مختلف عناصره الفنية والإنسانية والفكرة التي يعرضها.
وحين يعرف الجمهور أن عملاً سينمائياً قادم من العراق؛ فإنه يكون مهيأً نفسياً للحزن التراجيدي الذي لازم هذا البلد الجريح منذ الأزل؛ حيث تبدأ أحداث الفيلم مع سقوط نظام صدام عام 2003م، ورغم اللقطات الأولى للعجوز الكردية التي تظهر من بعيد في سفوح كردستان وحفيدها الذي يسير خلفها، وما في تلك المشاهد من شجن خفي؛ إلا أن المخرج بذكائه امتص جرعة الحزن الصادمة عبر مشاهد حوارية تدخل في باب السخرية السوداء التي برع بها العراقيون منذ الأزل، فسرقت تلك المشاهد ابتسامات وضحكات تختلط بالمرارة؟لاسيما في حوار سائق الشاحنة الكردي مع الطفل أحمد الذي أدى دوره ببراعة ياسر سعيد- وترحل الكاميرا في رحلة البحث عن «إبراهيم» ابن العجوز الكردية المنكوبة الذي زج به نظام صدام في غياهب السجون منذ عام 1991م وعدم معرفته مصيره رغم مرور ما يقرب من 12 عاماً.
ويتخلل الحوارات بين العجوز وحفيدها «أحمد» من ناحية وسائق الشاحنة الكردي، ذلك الشعور الإنساني المليء بدموع الألم على أرض الرافدين التي عاث فيها الطاغية خراباً ليستمر الغزو الأميركي بمهمة قديمة لم تكتمل فصولها بعد، ولعل الإشارة والرسالة القوية التي يبعث بها المخرج الدراجي من خلال بعض تلك الحوارايات والمشاهد، هي أن الإنسان العراقي إن كان ضد الطاغية صدام فإن ذلك لا يعني أنه مع الغزو الأميركي الإجرامي لأرض الرافدين.
وقد كانت الرمزية التي استخدمها الدراجي ذات أبعاد إنسانية بحتة لا تتعلق بالسياسي واتجاهاته التي تتقلب كالريح كيف شاءت، فجاء رمز «الناي» الذي يحمله الطفل أحمد وهو الآلة الموسيقية لوالده المفقود ليمثل حالة الحزن وترابطه بصورة جذرية مع الإنسان العراقي، كما كانت العباءات السوداء لنساء الجنوب المنكوب زبيت نبي الله إبراهيمز ومنبع الحضارة السومرية وندبهن للشهداء الذين أعدموا زمان الطاغية وأثناء حروبه العبثية بمثابة مزاوجة بين العنصر الحديث ؟الصورة السينمائية- والعنصر القديم المتمثل في معابد أور وبابل في الناصرية ومدينة الحلة حيث كانت نساء سومر يجلسن للندب على موتاهن.
وتصل رحلة العجوز الكردية وحفيدها لمدينة الناصرية؛ حيث سجنها المركزي وآلاف من السجناء العراقيين من شمال العراق إلى جنوبه قام النظام بتصفيتهم قبل سقوطه ودفنهم بمقابر جماعية ليخفي جريمته بحق الإنسانية، وتدور الكاميرا وتنتقل لتلك المقابر بمشاهد موجعة للقلب والعجوز وحفيدها ينتقلون من مقبرة جماعية إلى أخرى ويختلطان بين جموع النسوة الجنوبيات المفجوعات، ولعل أبلغ لقطة في المشاركة بالألم والحزن هو جلوس العجوز الكردية إلى جانب أخرى عربية ؟
أعدم النظام زوجها- فتشاركن في الحزن والبكاء دون أن تعرف إحداهن لغة الأخرى، ويصيب الجزع هذه العجوز المنهكة وهي ترى آلاف الجثث التي يجري استخراجها من تلك المقابر الجماعية، ولعل دلالات أسماء الضحايا التي نطق بها الطفل أحمد وهو يقلب ببطاقاتهم المدنية خير رسالة إلى بعض العقول الواهنة خارج العراق تفيد بأن زصدام كان عادلاً في توزيع ظلمه وإجرامه على الجميع دون استثناء».
ينتهي الفيلم بوصول الطفل أحمد إلى مدينة بابل الأثرية ورؤيته لمشاهدها التاريخية، وتأتي الصدمة بوفاة جدته أثناء الطريق وضياعه إلى الأبد في مدن العراق المنكوبة ويتمه من الأب والأم والجدة التي كانت ترعاه، و «ابن بابل» ؟كما أسلفنا- يحتاج إلى قراءة متأنية وعميقة لأهميته الفنية والإنسانية.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
