تُعد تجربة محاكم دبي في استثمار مواردها البشرية وتأهيلها وتنميتها بالصورة التي تجعلها في مقدمة المؤسسات والدوائر الحكومية في مجال التوطين، تجربة جديرة بالتأمل والتحليل، سيما في ظل ما أعلنته محاكم دبي مؤخراً من توطين القيادات بنسبة 100% في مختلف إداراتها البالغ عددها 43 إدارة، ولا يزال سباق التوطين محموماً في ظل خطة وضعتها المحاكم لتوطين القضاء بالكامل مع حلول عام 2019.
حول توطين المناصب القيادية يقول عبد الواحد كلداري، مدير إدارة الموارد البشرية: بدايةً نعني بالمناصب القيادية هم مديرو الإدارات في محاكم دبي، والتي تم توطينها بالكامل ما تطلب جهداً ووقتاً غير يسير، ولقد بدأنا في الخطة منذ عام 2002، حيث كانت النسبة حينها تتراوح من 70 إلى 80 % وشملت الخطة دورات تدريبية، خاصة بالقيادة والتحفيز، وتم اختيار فئات معينة من الموظفين، وتم اختيارهم بناءً على اختبارات ومقابلات فردية. وشكل برنامج «فرسان» الذي تم طرحه بالتعاون مع كلية دبي للإدارة الحكومية ومدته تقريباً عام، نقطة تحول في أداء عدد كبير من الموظفين، وحول محتواه أشار كلداري إلى أنه يستهدف الموظفين من خريجي الجامعات، من رؤساء الأقسام وقانونيين من القضاة، ممن بلغ عددهم في الدورة الأولى 25 موظفاً.
و«فرسان» برنامج شبيه ببرامج إعداد القادة، يضم ورش عمل ودورات تدريبية، ويحتوي على تجارب لأفضل الممارسات في مجال القيادة، وأبحاث، في مجال الإدارة بشكل عام. ويكمن الاختلاف في مراعاتها خصوصية محاكم دبي، في الجانبين الإداري والقضائي. وتم تحديد أعداد الملتحقين بالبرنامج لتحقيق الهدف منها.
تتنوع الدورات لتشمل التميز المؤسسي والإدارة المالية، القيادة وإدارة التغيير، قياس وتطوير الأداء المؤسسي، التفكير والتخطيط، معايير برنامج الأداء المؤسسي، وتلك بشكل عام الدورات التدريبية التي امتدت 12 شهرا.
حيث انخرط فيها موظفون من قيادات الصف الثاني ورؤساء الأقسام ممن اجتازوا الاختبار السابق ذكره، بالإضافة إلى اجتياز المقابلة الفردية، مع مختصين في مجال البحث الذي تم الإجابة عليه، عبر معايير معينة.
وراعت الخطة الإستراتيجية تأهيل قيادات الصف الثاني، فبالإضافة إلى «فرسان1»، هناك برامج أخرى لإعداد قيادات الصف الثاني «فرسان 2»، وسيتم بالتعاون مع الكوادر الداخلية المتواجدة في المحاكم، من خلال الاطلاع على تجاربها العملية مثل الدكتور أحمد بن هزيم، والدكتور يوسف السويدي من إدارة الإستراتيجية، بدأت في سبتمبر من العام الجاري وتمتد لعام.
17% قيادات نسائية
تشغل النساء 7 مناصب قيادية من أصل 43 في محاكم دبي، ومن ضمن المبادرات الرائدة تم اعتماد خطة متكاملة لتوطين القضاء، تبدأ في 2009 لغاية 2019 سيتم خلالها توطين القضاء بنسبة 100%.
وتم وضع جدول متكامل اعتُمد من قبل فريق القيادة. وتنص خطة توطين القضاة أن يتم استقطاب 10 قضاة مواطنين في السنتين الأوائل يزداد بعدها العدد تدريجياً والخطة تستهدف المحاكم الابتدائية ما ينعكس لاحقاً على الاستئناف والتمييز، ويشترط في المتقدمين أن يكونوا من حملة القانون وبخبرة لا تقل عن 10 سنوات ومعدل جيد فما فوق، ويشغل منصباً في المجال القانوني.
وتسري تلك المواصفات على الذكور والإناث على حد سواء. وذلك يعكس توجه محاكم دبي في إيلاء الكفاءة أهمية في العمل، دون الالتفات لجنس المتقدم، والدليل تعيين أول قاضية في الدائرة، وضمن القضاة المتقدمين للالتحاق بالعمل هناك أربع نساء ينافسن على المواقع الشاغرة في القضاء، من أصل 70 متقدم.
التحديات
وحول بدايات التوطين في محاكم دبي يقول كلداري: عندما شرعنا في وضع خطة للتوطين، بدأنا بالوظائف البسيطة، التي لا تتطلب كفاءةً عالية، تم توطينها مباشرة. وتم المضي في الخطة حتى وصلنا للوظائف العليا التي تتطلب تخصصاً، مثل الوظائف المعنية بتقنية المعلومات (مبرمج أو محلل) والمحاسبة.
ومن ضمن مبادرات إدارة الموارد البشرية برنامج «انطلق» الذي يهدف لتبني ورعاية مجموعة من طلبة الجامعات، في مجالات التخصص المطلوبة مثل القانون وتقنية المعلومات والمحاسبة عن طريق عقد مدته عام أو عامين، يتم بناءً عليه تقديم مكافأة شهرية للموظف خلال دراسته، وعند انتهائه من الدراسة يلتحق للعمل في محاكم دبي، حيث تم تعيين أولى خريجات البرنامج في إدارة المحاسبة.
أما فيما يتعلق ببقية الوظائف فيتم توطينها بسهولة. والجدير ذكره أن نسبة كبيرة من الملتحقين بالعمل في محاكم دبي هم من الدارسين، لما توفره المحاكم من لائحة مرة للإجازات الدراسية، مثل الخروج المبكر وإجازة الامتحانات.
إلى جانب ذلك تقدم محاكم دبي برنامج «العلا»، الذي يهدف لتأهيل الموظفين من حملة القانون، عن طريق الانتساب لأكاديمية شرطة دبي، ما يهدف لزيادة أعداد المواطنين في القضاء، بحيث يشغل الخريج وظيفة قاضي أو مأمور تنفيذ أو كاتب عدل.
يُذكر أن برامج ومبادرات إدارة الموارد البشرية في محاكم دبي تم تصميمها داخلياً، مثل برنامج «فرسان»، و«العلا» و«انطلق»، والتي تم وضعها بهدف التوطين، ورفع كفاءة الموظفين. وتلقى تلك البرامج تنافساً قوياً بين الموظفين، سيما بعد اعتماد جائزة محاكم دبي والتي عملت على القفز بأداء الموظفين بشكل ملحوظ. وتضم الجائزة فئات مختلفة.
البرامج الصيفية
تستقطب محاكم دبي، قادة الغد عبر البرنامج الصيفي السنوي، والذي بلغ العام الحالي 120 متدرباً، تم توزيعهم على جميع إدارات المحاكم، وعدد منهم ينتسب للمحاكم بصورة سنوية، ويتم الاعتماد عليهم خلال الإجازة الصيفية في تصريف أعمال الموظفين المجازين، وتنوي محاكم دبي رعاية عدد من هؤلاء الطلاب المتدربين خلال دراستهم الجامعية بمكافآت شهرية شرط التحاقهم بمحاكم دبي عند التخرج.
فرسان 2
المستهدفون من البرنامج هم القضاة ورؤساء الأقسام ورؤساء الشعب والمرشحين لمناصب إشرافية ومن يجد في نفسه الكفاءة القيادية، ويضم البرنامج دورات تدريبية وورش عمل، والإطلاع على أفضل الممارسات (دراسة حالات وتجارب عملية)، وإعداد البحوث و تقديم العروض الخاصة بالبحث ونظام لإدارة المعرفة.
وتشمل آلية تقييم العمل معايير عدة، أهمها قيمة العمل المقدم، والقدرة على الابتكار وتقديم أفكار جديدة، والقدرة على تحليل النتائج وربطها بأهداف العمل، وجودة التنسيق وصحة المعلومات في العمل، وشخصية المتقدم وقدرته على المناقشة خلال المقابلة، وما أضافه المتقدم من أفكار وتوصيات للموضوع. ويهدف البرنامج بصورة رئيسية إلى وضع الخطط الإستراتيجية للوحدات التنظيمية ومتابعة تنفيذها.
وضع عدة أنواع من التخطيط الاستراتيجي للمشاريع والمؤسسات مثل خطة الأعمال والتحصيل المتوازن، وتحديد الأهداف وإعداد الموازنات التقديرية للمشروعات. والقدرة على التحليل الشامل للأداء المؤسسي للدائرة، وإكساب المشاركين أهم المهارات والقدرات القيادية التي تخدم الدائرة وترفع من مستوى الإنتاجية إلى جانب اتخاذ قرارات إدارة التغيير والضغوط التي تواجههم في العمل.
7 مناصب قيادية للنساء من 43 في محاكم دبي
تشغل النساء 7 مناصب قيادية من أصل 43 في محاكم دبي، ومن ضمن المبادرات الرائدة تم اعتماد خطة متكاملة لتوطين القضاء، تبدأ في 2009 لغاية 2019 سيتم خلالها توطين القضاء بنسبة 100%. وتم وضع جدول متكامل اعتُمد من قبل فريق القيادة. وتنص خطة توطين القضاة أن يتم استقطاب 10 قضاة مواطنين في السنتين الأوائل يزداد بعدها العدد تدريجياً والخطة تستهدف المحاكم الابتدائية ما ينعكس لاحقاً على الاستئناف والتمييز.
ويشترط في المتقدمين أن يكونوا من حملة القانون وبخبرة لا تقل عن 10 سنوات ومعدل جيد فما فوق، ويشغل منصباً في المجال القانوني، وتسري تلك المواصفات على الذكور والإناث على حد سواء. وذلك يعكس توجه محاكم دبي في إيلاء الكفاءة أهمية في العمل، دون الالتفات لجنس المتقدم، والدليل تعيين أول قاضية في الدائرة، وضمن القضاة المتقدمين للالتحاق بالعمل هناك أربع نساء ينافسن على المواقع الشاغرة في القضاء، من أصل 70 متقدم.
برامج تدريبية فنية وإدارية لرفع كفاءة الموظفين
شكلت خطوة التوطين قفزة نحو أداء أفضل لمس نتائجه المتعاملون والموظفون على حد سواء، ليس على مستوى القيادات فحسب، بل امتدت لتشمل جميع الموظفين. ويؤكد ذلك محمد عبدالرحمن مدير إدارة الأحوال الشخصية التي تضم 55 موظفاً ينتمون لثلاث شُعب ؟
أمضى 18 سنة في العمل بمحاكم دبي، أنه منذ عام 1998 تشهد محاكم دبي سباقاً محموماً لرفع كفاءة موظفيها من المواطنين بهدف سد الشواغر، ومنذ ذلك الحين لم تدخر جهداً في تحفيز العناصر المواطنة، عبر التركيز لقضية توطين الموارد وتأهيلها لا سيما وأن العمل القضائي حينها كان قائماً على خبرات الإخوة العرب، بالتالي كان الكادر المساند لها من نفس جنسيتها، ومن خلال خطة مدروسة تم التركيز مجدداً على تأهيل وتدريب كادر وطني لتولي العمل القضائي بشقيه الفني والإداري.
ويؤكد مدير إدارة الأحوال الشخصية أن العديد من الجهات الحكومية تستقطب كوادر المحاكم لكفاءتها العالية، لإلمامهم بجميع الجوانب الفنية والإدارية، والتي تشمل مهارات عدة أهمها إدارة الوقت والعمل ضمن الفريق وخدمة العملاء وإدارة الخطط والأنشطة، والتخطيط الاستراتيجي، والتي يتم إثرائها عبر برامج تدريبية عدة.
ولفت إلى أن الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب سبب رئيس في خطة محاكم دبي للتوطين. ويتم وضع خطط تدريب تشمل المهارات واللغات المطلوبة من كل مجموعات العمل يتم تقييمها خلال فترة محددة عبر تقارير الأداء، وتوطين إدارة الأحوال الشخصية بحسب محمد عبدالرحمن خلق ثقة بين المتعاملين معها، وفهم أكبر لواقع الحال في المجتمع وطبيعة المشاكل التي تعترض المتعاملين.
25 موظفة
عائشة الهاملي رئيسة قسم الطباعة التي تجاوزت خبرتها في المحاكم 18 عاماً، ويضم قسم الطباعة 25 موظفة جميعهن من المواطنات، تؤكد عائشة أن الإدارة لا تدخر جهداً في تأهيل واستثمار مهارات موظفيها، وعن تجربة قسم الطباعة في التوطين تقول: نحاول دائماً رفع كفاءة الموظفات، عبر دورات مستمرة تشمل دروساً تخصصية في الطباعة. وتؤكد عائشة أن التوطين يُعد هدفاً رئيسياً لدى جميع العاملين في محاكم دبي، عبر استقطاب المواطنين وإعطائهم أولوية في التأهيل والتدريب ورفع الكفاءات الحالية.
وبالرغم من الصورة المشرقة لبوادر التوطين في محاكم دبي تبقى هناك بعض التحديات في طريق إنجازها بصورة مكتملة، محمد العبيدلي مدير إدارة خدمات القضايا والتي تضم 149 موظفاً يتوزعون على 6 أقسام جميعهم من الكفاءات المواطنة، ويشير إلى برامج التدريب المستمرة والتي شكلت نواة مشروع التوطين، لافتاً إلى بعض الوظائف التي لا زالت بحاجة إلى جهود أكبر لتوطينها كوظائف المترجمين، التي تتطلب تخصصاً أكاديمياً وإلماماً بلغات عدة تخدم سير القضايا التي تضم أطرافاً من جنسيات متعددة.
أمل الفلاسي

