«السجن إصلاح وتهذيب»، شعار ترفعه كل المؤسسات العقابية، بل وتدفع باتجاه تقويم ما علق في أذهان النزلاء من اعوجاج في التفكير، وانحراف في النفوس الضعيفة، بغية انتشالهم من براثن السلوك السلبي الذي ينتهي بهم إلى عالم الجريمة المنظمة.
وإذا كان هذا نهج المؤسسات العقابية، التي تؤمن المكتبات والمعارف «لإصلاح» الأدمغة، وتعتمد المكافآت لحفظة القرآن الكريم سعيا منها «لإصلاح» النفوس، فمن المؤكد أن هناك من المساجين من يستحق إعادة التقييم بعد مرحلة التقويم.
والسطور التالية تحمل تجارب إنسانية لأناس استطاعوا أن يتعلموا من المحنة، ويخرجوا منها أقوياء وبسلوكيات إيجابية، ومحملين بآمال وأمنيات الانخراط من جديد في المجتمع، يبنون مع البانين، ويتحملون مسؤولياتهم تجاه أنفسهم ومجتمعهم.
الحلم آنذاك بأيام مزركشة بشتى الألوان هوى في أول الطريق، وانزوى في ركن قصي من الذاكرة التي بقيت تختزن دخانا كثيفا سكن المكان وتواطاْ مع كل شيء في تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن ليعود ويغادر الدخان منسلاً بهدوء من بين القضبان تاركاً خلفه الحكايات.
عبء ثقيل على الأكتاف وفي القلوب يحملونه منذ الصباح ولا يكاد يفارقهم حتى عندما تختار الشمس مكانا قصيا تاركة كل المساحة لليل يحتفظ بالكثير من الأسرار والهمسات، وقطرات لامعة في العيون التي يستعصي عليها النوم منذ أعوام. قصص نرويها على ألسنتهم بعد أن امضوا سنوات خلف خيوط، وحكايتهم كما لمسناها منسوجة من الألم.
صالح علي حسن إبراهيم دخل السجن وعمره 23 عاما، وهو الآن في الثالثة والثلاثين من عمره قال: كنت أتعاطى المخدرات وأنا في سن السادسة عشرة، والآن أنا أنفذ عقوبة سجن طويلة على خلفية قضية أخرى ارتكبتها داخل السجن.
وطالب صالح المسؤولين ايلاء فئة المتعاطين وخاصة المراهقين أهمية قصوى لحاجتهم إلى التأهيل وليس للحبس، فهم ليسوا بمجرمين، والسجن بالنسبة إليهم مكانا لتعلم أمورا أكثر سوءا من المخدرات، ويشير إلى أن دخول المتعاطي السجن يحوله إلى شخص آخر، موضحا أن الإدمان هو الذي أوصلهم إلى السجن. ويضيف: هل يريد أي شاب أن ينتهي به المطاف من باحث عن متعة الإدمان الزائلة إلى السجن المؤبد؟.
وقال: ننتظر الفرج من عند الله وندعوه أن يفك أسرنا ويعيدنا إلى إنسانيتنا وحياتنا، فقد اثر فينا السجن بصورة عكسية وحول مجرى حياتنا بشكل لم يتوقعه احد منا، فقد أصبحنا أكثر قربا من الله، ورفعنا شعار لا للمخدرات، وبالنسبة لي فقد نميت هواية تأليف المسرحيات والفت ثلاثاً أخرجت إحداها ، كما أنني أصمم وأخترع ولدي ميول إبداعية.
إضافة إلى أنني حفظت 5 أجزاء من القرآن، ولدي محاولات لكتابة الخواطر والشعر، وأنا قارئ نهم أقضي وقتي بين الكتب، واقرأ لأنيس منصور ونزار قباني وعدنان الفرا ولشعراء الجاهلية، واقرأ في الأدب العربي والروسي.
ويقول صالح: أنا الآن لا أحسب أياماً ولا شهوراً بل أعد السنوات ورغم الإحباط واليأس أحلم بالخروج من السجن لأن لدي مؤهلات وطاقة هائلة أريد استغلالها لأكون عضوا فاعلا في المجتمع وليس مستهلكا فقط، وقد وضعت عدة خطط لأبدا حياتي وأنا احتاج إلى فرصة واحدة فقط لأثبت أنني إنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ذكريات الأمس
محمد خميس محمد كان عمره واحداً وعشرين عاما عندما دخل السجن بتهمة التعاطي، يقول: ما أنظر إليه الآن ليس وضعنا، فقد قضي علينا مبكرا ونحن ما زلنا في فترة مراهقتنا وبداية شبابنا، بل اشعر بالخوف على الشباب في الخارج وكيف يحافظ على نفسه وحياته، شريط الذكريات يمر أمامي دائما وأتساءل، ترى ماذا يخبئ لي القدر أيضاً؟.
ويضيف: أتمنى على المسؤولين توفير آلية جديدة للتعامل مع المتعاطين، وعلاجهم بعيدا عن قضبان السجن الذي يتعلمون فيه فنون الإجرام، نظرا لاختلاطهم بأصحاب السوابق لأن ذلك يدمرهم ويأخذهم إلى طريق الهلاك والعودة للإدمان مرة أخرى، و خلال هذه السنوات التي قضيتها في السجن بدأت أعيد حساباتي، وأصلح من نفسي لكن أتمنى أن يخترق صوتنا جدران الزنازين ويصل إلى القلوب الرحيمة لتساعدنا على إعادة صياغة حياتنا من جديد.
ويتابع محمد قائلا: أحاسب الآن على جريمة ارتكبتها من دون عمد داخل السجن، وهذا شيء مؤلم ويسبب لي الإحباط، كنا شبابا طائشا مغيب ولكننا لسنا أشرارا، فلدينا عائلات فقدنا صلتنا بها أو أصبحنا بالكاد نعرف أفرادها، وأخوة كبروا بعيدا عن أعيننننا. محمد يختم كلامه بقوله انه متخوف من نظرة المجتمع له إذا ما خرج من السجن، ويضيف: سأحاول أن أبدا من جديد رغم أن قطار العمر يمر سريعا.
عبد السلام محمد والذي ينفذ حكما بالسجن المؤبد، تواظب شقيقته على زيارته هي وابنتها، لكن والده لا يعلم أن حكمه مؤبد فعمره 80 عاما ولا يمكن أن يتحمل الصدمة، وقد أغمي على شقيقته في قاعة المحكمة يعد النطق بالحكم ، فيما ترفض والدته تصديق الحكم وتنتظر عودته على الدوام مرددة أن عبد السلام قادم إلى المنزل.
ويطمح عبد السلام إلى تبصير الناس بأمور دينهم، لافتاً إلى أن اغلبهم لا يفهمه بشكل صحيح، فهو دين التسامح والسلام والتفتح قائلاً: عرفت كل ذلك هنا في السجن، إذ أصبحت اقرب إلى الله، وأسعى لأن أعلم الأطفال ركوب الخيل والسباحة وأحفظهم القرآن، كل ذلك دون مقابل لأنني أريد أن اعمل لوجهه الكريم.
وأضاف: أرى نفسي في الحلم حرا لكنني أصحو على واقع مر وهو أنني حبيس أربعة جدران. كسره الحكم وجعله يعيش صدمة عمره فهو غير قادر على الكلام حواره مع ذاته ولا يستطيع التعبير عن نفسه او بناء حوار مع الآخرين لديه 6 إخوة و6 أخوات وتعتريهم حالة ذهول من الحكم رغم مضي عقد من الزمان ويقول لا أحبذ التواصل معهم لأنني لا أطيق أن أرى الحزن والدموع في عيونهم، وأدرك أن السبب في سرداب الألم الذي يعيشونه هو طيشي وحماقتي وأخر مرة كلمت والدتي منذ سنتين واطمئن عليهم عن طريق نسيبي.
مدمن المخدرات مريض يحتاج العلاج قبل العقاب
لطيفة خادم رئيسة قسم الرعاية النفسية والاجتماعية في سجن العوير المركزي قالت: أحاول دائما مساعدة هؤلاء الشباب لأنهم تغيروا للأفضل بعكس الكثيرين، والدليل على ذلك أن من بينهم حفظة للقرآن والمبدع والكاتب والمؤلف المسرحي، وبدأ احتكاكي بهم منذ سنتين وأنا اعرف أنهم اقترفوا خطأ، وهم شباب تتملكهم عزيمة وليسوا بأشرار، لكنهم يفتقرون للبصيرة والوعي لعواقب الأمور كونهم كانوا مدمنين للمخدرات، و في بعض الحالات لا يدرك المدمن عواقب أفعاله، فهو مريض وأنا أؤيد العلاج أولا ولابد من وجود عقاب، فقط يجب أن يخضع المدمن لعلاج صحي ونفسي واجتماعي وثقافي.
وقالت: كلهم بدأوا الإدمان في سن المراهقة، ورغم وجودهم في السجن، إلا أنهم لم يرتكبوا خلال فترة متابعتي لهم أي سلوكيات غير مقبولة، بل على العكس أنا أتواصل مع أسرهم وأعمل بجهد اكبر لمساعدتهم ومساعدة أسرهم لأخفف عنهم المعاناة والألم، مشيرة إلى أن بعضهم لديه مواهب ومهارات إبداعية منهم من يؤلف المسرحيات ويخرجها وتنفذ في الإدارة خلال المناسبات الرسمية، ومنهم من أنهى الثانوية العامة.
وهذه كلها مؤشرات على أنهم أشخاص استطاعوا أن يحموا أنفسهم ويعدلوا سلوكياتهم داخل السجن، يدفعهم إلى ذلك وازع داخلي بان يسيروا نحو الأفضل، ومنهم من تم تكريمه كأفضل نزيل من الناحية السلوكية، وبعضهم يقوم بتنظيم حلقات توجيه وإرشاد للنزلاء وتوجيههم إلى ضرورة عدم اقتراف أية أخطاء، وهذه كلها أمور تؤكد أنهم يحملون داخلهم بذرة خيرة.
المقدم عبد الحكيم احمد العجي، مدير إدارة السجن المركزي قال إن سلوك الشباب تحسن كثيرا، وانه كرم احدهم على حسن سلوكه كنوع من التقدير والتشجيع لهذا التغير الايجابي، مشيرا إلى أن أغلبية الموجودين في السجن يتلقون رعاية نفسية خاصة وأن بعضهم يدخلون في حالات نفسية سيئة بعد رؤية احد أفراد العائلة او سماع أخبار غير سارة من قبل ذويهم.
وأوضح مدير إدارة السجن المركزي، أن العفو له شروط معينة يجب أن تتوافر لدى السجين حتى يتم إدراجه في لائحة العفو التي تتابعها لجنة خاصة مشكلة من مندوبين من النيابة العامة، وامن الدولة ودائرة التحريات والمؤسسات العقابية يكون دورهم الأساسي التأكد من سجل كل سجين اسمه في اللائحة ومدى امتلاكه للشروط التي تؤهله للعفو.
وذكر أن معظم من يدخلون السجن لأول مرة في قضايا التعاطي، يمكن إدراج أسمائهم في لائحة العفو، ولكن تكرار الجريمة مرة أخرى يفقد السجين حقه في إلحاق اسمه في اللائحة فيما بعد، كما يشترط العفو عن المحكومين في جرائم القتل تنازل أولياء الدم.
على طريق الجامعة
سلطان مراد دخل السجن وهو ابن الـ 23 ربيعا يقول: أنهيت دراستي الثانوية في السجن وأنوي استكمال دراستي الجامعية، لي 5 إخوة وأخوات، توفي والدي وأنا في السجن، وكان يعرف أن حكمي مؤبد، ما يجعل أي شخص يدرك إحساس أب رحل دون أن يرى اكبر أنجاله، وأبن لم يودع والده الوداع الأخير.
فقد عشت حالة من الحزن الشديد بعد أن علمت بموته، وكم أصيبت والدتي بصدمة شديدة عندما علمت أنني محكوم بالسجن المؤبد، أما إخوتي فهم مقلون في زيارتهم لي بسبب التزاماتهم العملية والأسرية. ويختتم سلطان حديثه بقوله: لا اعرف ماذا أقول، فانا الآن إنسان مختلف عن الشخص الذي دخل السجن قبل عشرة سنوات، وواثق أن مع الإرادة كل شيء ممكن.
نورا الأمير
