تُعد تجربة التشكيلية العمانية نادرة محمود؛ إحدى أنضج التجارب في التشكيل العماني المعاصر، ولئن كان «التجريد» أو الفن الحديث الذي يبعد عن المنظورات التقليدية للفن ولتكوين اللوحة المشهدية من موضوع وفكرة وتقنياتها من ضوء وظل وخطوط؛ لئن كان كل ذلك هو الخط الزمني الفاصل بين المدارس الكلاسيكية التشكيلية من انطباعية وواقعية وسوريالية وغيرها وبين الحداثة المطلقة للتشكيل؛ فأن تجربة العمانية نادرة محمود «التجريدية» البحتة تستحق أن توضع في مقدمة التجارب الخليجية التي تأسست على الحداثة منذ بدايتها، وهي في جميع أعمالها دائمة الترحال للوصول للمطلق.

لعل ما أغنى تجربة «نادرة» دون سواها من فناني عمان والخليج؛ هو ترحالها الدائم بين مدن عرفت بكونها لوحات وأيقونات تشكيلية بحد ذاتها رسمتها يد القدرة وخطت ملامحها أنامل الحضارة الإنسانية الأولى؛ فمن بغداد حاضرة العباسيين وشواطئ دجلة فيها، كانت أول دروس فن الحياة التي تلقتها نادرة أيام الستينات حين كانت الشمس تحكي للكون سر وجودها الأول بأرض «شنعار»، لتحط الرحال في سبعينات القرن الماضي في عاصمة الأرز والثقافة الحرة ببيروت التي عرفت فيها .

كما تقول «أشكالاً من الحياة والحرية لم تذق طعمها من قبل» ولتختبر الخوف الأولى كذلك حين أرادت آلة البشاعة الإسرائيلية قتل الحب والأمل والسلام وقبل كل ذلك قتل الجمال المطلق في المدينة التي كانت بمثابة خيمة لمثقفي وفناني العرب الباحثين عن الحرية.

وقاد الترحال نادرة بعد ذلك إلى مدينة الأريج والتاريخ وقصة الحب الأولى بدمشق العريقة.. من كل هذه المدن التي كانت نابضة بالحياة والعشق والجمال؛ تكونت المخيلة الروحية والفنية للتشكيلية العمانية، وهي مع كل ذلك ظلت مسكونة بالذات الإنسانية للخليج «واهب المحار والردى» تعود إلى مدينتها مسقط لتؤسس أول جاليري فني في السلطنة في تسعينات القرن الفائت تحت اسم «جاليري رواق عمان».

أبوظبي ـ محمد الأنصاري