«أم سعيد» تصطحب أبناءها الثلاثة صباحاً إلى مدارسهم، ثم تواصل إلى مكان عملها في إحدى المؤسسات الحكومية، وعند الثالثة مساءً تعود إلى البيت منتهية من دوام يوم يبدو ثقيلاً.. فتجد الخادمة قد انتهت من إعداد مائدة البيت التقليدية.
وربما يسعف «أم سعيد» الوقت لتلمح سريعاً بعض ترتيبات الطعام في مطبخها، أو تترك من واقع الثقة والاتكال «البشكارة» سيدة الموقف هناك، أما الأبناء فيأكلون ما تستهويه أعينهم وفضولهم المدمن على أكلات سريعة يجدونها بسهولة من حولهم، وغالباً ما تأتيهم على شكل «ديليفري» في الزمان والمكان المطلوبين.. ذلك بحسب ما توضح إحدى الأمهات التي لا يروق لها هذا الواقع لسلبيته المطلقة اجتماعياً وصحياً ونفسياً.
أم تأسرها الوظيفة، و«بشكارة» تصول وتجول في البيت، وأبناء لا يجدون الرعاية الصحية على الأقل فيما يتناولون من أطعمة، حيث يلجؤون بقناعة المتعة والشهية إلى مطاعم «الفاست فود» يملؤون بوجباتها أمعاءهم شبه الخاوية بعد يوم دراسي طويل.. وهو واقع يسير على نسبة غير قليلة من الأسر في مجتمع الإمارات مواطنين ووافدين، كما يؤكد ذوو الاختصاص.
فاطمة آل مالك، مديرة مركز قرطبة المسائي لتعليم الكبار، تقول إن هذا الواقع هو الحاصل للأسف في مجتمعنا، وهو ما يدفع الأبناء للبحث عما يستهويهم في ظل غياب الرقابة الأسرية، وقلة جاذبية وشهية ما تقدمه «البشكارة» من أطعمة، مشيرة إلى أن طبخ الأم يظل يحتفظ بنكهة ونَفَس، هو سر في الطبيعة الفطرية يجذب الأبناء لمائدة البيت.
وتضيف أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من الأمهات العاملات، لا يسعفهن الوقت لإعداد وجبات بيتية، فيلجأ بعضهن إلى التوجيه والإشراف الشكلي على ما تعده البشكارة، في حين أن طعام «البشكارة» المكون غالباً من البرياني والصالونة، لا يملك مقومات جذب، لأن الأساس عندها إنجاز وجبة بأسرع ما يمكن، دون منحها الشهية التي تلفت أنظار الصغار، كما هو حال الأم الحريصة على بيتها.
خطأ مطلق
فوزية العوضي موجه أول لغة إنجليزية بوزارة التربية والتعليم، ترى أنه من الخطأ المطلق أن تركن الأم إلى طبخ الخادمة، لما يترتب على ذلك من سلبيات أسرية لا حصر لها، مثل بحث الأبناء عن وجبات أشهى في المطاعم، لا سيما وأن اللمسة الإبداعية غالباً ما تغيب عن الأطعمة التي تطبخها الخادمة، لكن المشكلة بنظر العوضي هي أن الأم العاملة لا يمكن أن تنجح بنسبة 100% في الوظيفة وفي البيت، لذلك صار لزاماً عليها البحث عن صيغة توفيقية بحيث لا يقع الظلم على الأبناء.
أما ندى شاهين مساعدة مديرة روضة الشروق الحكومية، فقالت إن المرأة الناجحة هي التي توفق بين البيت والعمل، لكن للأسف فإن النموذج السلبي موجود في المجتمع، ومن المهم أن يظل المطبخ تحت سيطرة الأم، ولا تكون الخادمة كل شيء، وهذا الأمر وارد أيضاً لدى كثير من الأمهات، اللواتي يحرصن على أبنائهن حرصهن على الوظيفة وأكثر.
في المقابل أكدت أمينة إبراهيم مديرة مدرسة الجاحظ للبنين، أنها تعاني مثل كثير من الأمهات من توجه الأبناء، لا سيما المراهقين منهم إلى تناول الوجبات السريعة في محلات الكافتيريا التي تغزو «الفرجان» وتوفر الوجبات المختلفة على مدار الساعة، وهذا النوع من المأكولات ساهم في جعل أمراض السمنة والسكر مرتفعة بشكل قياسي على مستوى الدولة، مشيرة إلى أن نساء كثيرات لا يسعفهن الوقت في إدارة مائدة طعام تجمع العائلة حولها، بحكم العمل والوظيفة ومتطلبات الحياة المختلفة.
واقترحت أمينة أن يتم توزيع وجبات صحية متكاملة على طلبة المدارس على مستوى الدولة، التي تكون في فترة ما قبل خروجهم إلى البيت، حتى تتمكن الأمهات من تجنب الوقوع في مشكلات التغذية غير السوية للأبناء، فتلك الوجبات والتي لا بأس في أن تكون مدفوعة بمبلغ رمزي من أولياء الأمور، تعفي الطلبة من البحث عما يسد رمقهم بعد يوم دراسي طويل، كما تحفظ لهم نظاماً صحياً مقبولاً، وذلك حل اضطراري لمواجهة مشكلة فرضت على البيت بحكم الوظيفة والعمل.
فريسة الوجبات
ريما حداد خبيرة التغذية في وزارة الصحة، التي اعترفت بوجود نسبة كبيرة جداً من هذا النوع من الأمهات اللواتي يوكلن أمر المطبخ للخادمات، ويتركن أبناءهن فريسة الوجبات السريعة، أكدت أن الأم التي لا تراعي في أبنائها نظاماً صحياً سليماً تبقى مقصرة في حقهم، وتدفعهم بشكل غير مباشر إلى مخاطر عديدة، مشيرة إلى أنها كأم عاملة تضطر إلى طبخ ثلاث وجبات يوم إجازتها ووضعها في «الفريز» للمحافظة على نظام صحي متوازن لدى صغارها، من باب أن المال الذي تأتي به الوظيفة ليس أهم من صحة أبنائها.
وأضافت أن نسبة البدانة والسكر المرتفعة في الدولة لها أسباب عديدة، أبرزها الوجبات السريعة التي يقع الصغار فريسة لها، فالأم عندما تترك ولدها بين يدي الخادمة، بالتأكيد فإن الأخيرة لن تهتم بتغذيته على الوجه الأكمل، وبالتالي يلجأ إلى من الحلويات والسكريات والوجبات السريعة، وهنا تكمن المشكلة، حيث لا بد من الأم أن تبدع في بيتها أضعافاً، وأن تحافظ على نظام غذائي متناسق، وثقافة غذائية صحية ينشأ عليها الأبناء، وإلا وقع الظلم والخطر.
خطورة اجتماعية
الدكتور أحمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة، أشار إلى أن واقع المرأة العاملة والخادمة التي تعبث في المطبخ والأبناء الذين يأكلون ما يحلو لهم، أصبح نشاطاً روتينياً سلبياً في المجتمع، وذلك يضعف التفاعل الأسري لا سيما في انفصال الأم عن الأسرة والأبناء عن الأبوين.
وبالإضافة إلى الخطورة الصحية لهذا النمط الغذائي السائد، حيث انزلاق الأبناء إلى وجبات «الفاست فود»، فإن لذلك خطورة اجتماعية لا تقل أهمية، أهمها انجراف الأبناء نحو شلليات وصداقات غير متوقعة، وانحرافهم في بيئة غير مراقبة، لافتاً إلى أن اجتماع العائلة حول مائدة طعام واحدة أمر في غاية الأهمية بالنسبة لتربية الصغار، حيث يتعين على الأب والأم أن يمنحا أبنائهما ساعات أسرية يومية يستمعان لهم ويتقربان منهم بالشكل الصحيح، حتى لا تقع العائلة في فخ التفكك والضياع.
الخطورة الاجتماعية للوجبات السريعة أكثر من الصحية
أكد الدكتور أحمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة أن الخطورة الاجتماعية للوجبات السريعة لا تقل أهمية عن الخطورة الصحية نظراً لما تحدثه من غياب اجتماع العائلة حول المائدة الواحدة وتضاءل فرص تربية الأطفال وتعليمهم.
وقال العموش: إن هناك خطورة صحية لهذا النمط الغذائي السائد، حيث انزلاق الأبناء إلى وجبات «الفاست فود»، كما أن هناك خطورة اجتماعية لا تقل أهمية، أهمها انجراف الأبناء نحو شلليات وصداقات غير متوقعة، وانحرافهم في بيئة غير مراقبة، لافتاً إلى أن اجتماع العائلة حول مائدة طعام واحدة أمر في غاية الأهمية بالنسبة لتربية الصغار.
حيث يتعين على الأب والأم أن يمنحا أبنائهما ساعات أسرية يومية يستمعان لهم ويتقربان منهم بالشكل الصحيح، حتى لا تقع العائلة في فخ التفكك والضياع. أشار إلى أن واقع المرأة العاملة والخادمة التي تعبث في المطبخ والأبناء الذين يأكلون ما يحلو لهم، أصبح نشاطاً روتينياً سلبياً في المجتمع، وذلك يضعف التفاعل الأسري لا سيما في انفصال الأم عن الأسرة والأبناء عن الأبوين.
الوجبات السريعة تغزو طلاب المدارس
أكدت أمينة إبراهيم مديرة مدرسة الجاحظ للبنين، أنها تعاني مثل كثير من الأمهات من توجه الأبناء، لا سيما المراهقين منهم إلى تناول الوجبات السريعة في محلات الكافتيريا التي تغزو «الفرجان» وتوفر الوجبات المختلفة على مدار الساعة، وهذا النوع من المأكولات ساهم في جعل أمراض السمنة والسكر مرتفعة بشكل قياسي على مستوى الدولة، مشيرة إلى أن نساء كثيرات لا يسعفهن الوقت في إدارة مائدة طعام تجمع العائلة حولها، بحكم العمل والوظيفة ومتطلبات الحياة المختلفة.
واقترحت أمينة أن يتم توزيع وجبات صحية متكاملة على طلبة المدارس على مستوى الدولة، التي تكون في فترة ما قبل خروجهم إلى البيت، حتى تتمكن الأمهات من تجنب الوقوع في مشكلات التغذية غير السوية للأبناء، فتلك الوجبات والتي لا بأس في أن تكون مدفوعة بمبلغ رمزي من أولياء الأمور، تعفي الطلبة من البحث عما يسد رمقهم بعد يوم دراسي طويل، كما تحفظ لهم نظاماً صحياً مقبولاً، وذلك حل اضطراري لمواجهة مشكلة فرضت على البيت بحكم الوظيفة والعمل.
دبي ـ عنان كتانة
