لا يكاد يتردد أحد على مدى الأيام في قاعدة ملأت الدنيا تقرر أن «خير جليس في الزمان كتاب»، وأن عادة القراءة أفضل عادة عرفها الإنسان لما لها من خاصية مدّ النفس والعقل بالكمالات الإنسانية حتى يرتقي في معارج العلم والمعرفة.
وإذا كانت الجامعات تخرج حملة الشهادات العليا، وتمنحهم الأحقية في التخصصات، فإن من وراء هذه الجامعات مكتبات أهلية تسهم في هذا المجال، وتشهد على تخرج العشرات من حملة الدكتوراه، أما كيف ذلك وما الدور الذي تقوم به هذه المكتبات، فهذا ما سوف نتعرف عليه، من خلال هذه الجولة التي قمنا بها إلى أكثر من مكتبة أهلية في إمارة عجمان، ومنها مكتبة الشيخ عبدالله بن محمد الشيبة الشرعية، ومكتبة سالم بن عبدالله آل حميد الإسلامية العامة، ومكتبة راشد بن حميد التي كانت نواتها الأولى المكتبة العامة بعجمان.
بداية كانت جولتنا الأولى مع محمد بن عبدالله الشيبة، الذي حدثنا عن حياة أبيه مؤسس المكتبة قائلا: «ولد والدي الشيخ عبدالله بن محمد بن يوسف الشيبة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، والذي بدأ حياته تلميذا في كتاتيب عجمان، وبعد ذلك درس على يد عالم من فارس يدعى أبو الهدى، وكان من أساتذته، العالم الجليل والأديب علي القصيمي الملقب بالصعيدي، ثم التحق بالمدرسة التيمية المحمودية ودرس فيها إلى أن أنهى دراسته.
وكان من بين الطلبة النابهين الذين اختارهم علي المحمود رحمه الله ضمن أول بعثة دراسية، أرسلها للدراسة على نفقته إلى قطر، واستفاد كثيرا من دراسته على يد الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع التي أهلته للإمامة والقضاء بعد عودته إلى عجمان، وأصبح رحمه الله إماما وقاضيا وخطيبا في جامع عجمان، وفي عام 1320 هـ عاد والدي إلى عجمان قادما من قطر، وأثناء وجوده حدثت في عجمان بعض الأحداث، استدعت ذهابه إلى السعودية لمقابلة الملك سعود عبد العزيز بن سعود مع نفر من وجهاء القوم في عجمان، لمقابلة ابن سعود، وكانت رحلتهم عن طريق البحر بواسطة إحدى السفن التي نقلتهم إلى البحرين، ثم إلى الخبر ومن الخبر انتقلوا إلى الإحساء ومنها إلى الرياض.
وبعد أن التقوا الملك سعود وطرحوا أمامه المشكلة التي أتوا لأجلها، ووعد بحلها، طلب منهم ما يرغبون فيه من العطايا، فكان طلب الوالد أن يزوده بكتب في مختلف المجالات، فطبعا استغرب الملك سعود من طلب الوالد، ولكنه أدرك أن والدي من طلاب العلم وان الكتاب هو زاده في حله وترحاله، وتم تزويده بالكتب التي نقلت عن طريق البحر، وكانت هذه البداية لهذه المكتبة التي أصبحت تزود طلاب العلم والتحصيل الجامعي، بكافة الكتب والمراجع، كما زودنا الشيخ العالم عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله بكتب قيمة عندما زرناه أنا وأخي سلطان.
ويحدثنا الداعية محمد بن عبد الحميد العدوي مشرف عام مسابقة حفظ الحديث الشريف، قائلا: تنظم مكتبة عبدالله بن محمد الشيبة الشرعية بعجمان مسابقة حفظ الحديث الشريف خلال الإجازة الصيفية، وذلك حرصا منها على الاهتمام بالسنة النبوية واستغلال واستثمار أوقات فراغ الطلاب والطالبات وربات البيوت، وتواصل المكتبة تنظيمها للمسابقة بعدما نهجت هذا الطرح سنويا منذ 18 عاما لتقدم المسابقة في أسلوب جديد وعرض جيد من شأنه أن يفيد المشاركين والمستهدفين من المسابقة والذي سيتناول أحاديث من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في إصدار خاص سيوزع قريبا يحمل اسم الإصدار الثامن عشر لمكتبة الشيبة في حفظ الأحاديث النبوية الشريفة.
مفاتيح البحوث
أحد حملة الشهادة الجامعية الدكتور عدنان بن محمد أبو عمر حدثنا عن استفادته من المكتبة قائلا: «عند إعدادي لبحث رسالة الدكتوراه بعنوان «السنة النبوية وعلاقتها بتفسير القرآن الكريم.. دراسة نظرية وتطبيقية» عانيت الكثير من الصعوبات، وفي الحصول على المراجع المطلوبة، فكنت في البداية أتردد بين مركز جمعة الماجد وجامعة الشارقة للبحث عن المراجع، وكنت أعاني الكثير بسبب الاختناقات المرورية وبعد سكني عن هذين الموقعين، إلى أن قيض الله تعالى لي مكتبة الشيخ عبدالله بن محمد الشيبة، وعندما علم الأخ الفاضل الشيخ محمد بن عبد الحميد العدوي أنني أعد هذا البحث رفع الأمر للسيد محمد بن عبدالله الشيبة الذي مكنني من شراء بعض الكتب والمراجع التي لم تتوفر بالمكتبة وعلى نفقته، وبفضل من الله ووجود هذه المكتبة، استطعت أن أحصل على شهادة الدكتوراه».
كما أن هناك مكتبة أخرى لا تقل شأنا عن الأولى تسهم أيضا في توفير الكثير من المراجع لطلاب العلم والجامعات، عن هذه المكتبة يحدثنا صاحبها ومؤسسها الشيخ سالم بن عبدالله بن حميد فيقول: «منذ أربعينيات القرن الماضي، وأنا أحلم بإنشاء مكتبة إسلامية عامة تضم العديد من أمهات الكتب في علوم القرآن الكريم والسنة والفقه والعبادات وغيرها، من كتب التاريخ والعلوم الإنسانية، وخلال هذه الفترة كان الكتاب هو زادي أينما ذهبت، وعندما استقريت في إمارة عجمان، بدأت في تكوين المكتبة التي كانت في الأساس من الكتب الشخصية وتلك التي جلبتها معي من السعودية وعمان.
وفي عام 1988 تحقق الحلم بتأسيس المكتبة التي ضمت عناوين وصلت إلى 35544 عنواناً في جميع التخصصات، وفي عام 1990 تم افتتاحها رسميا برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم إمارة عجمان، ومنذ ذلك اليوم وأنا أكرس كل وقتي للمكتبة، وأوفر كافة الكتب والمراجع لطلبة العلم والدارسين في جامعات الدولة، ومن هذه المكتبة وبفضل المراجع التي فيها تخرج العشرات من حملة الشهادات العليا».
وماذا عن البداية: «في الأول كانت المكتبة ضمن محتويات البيت، ثم أصبحت في ملحق صغير بالقرب من البيت، بعد ذلك طرأت فكرة إنشاء مكتبة يؤمها أهل الحي ومن يرغب من العلماء والمثقفين، وبالفعل تم نقلها إلى مكان أرحب وأوسع، وموقع المكتبة كان في منطقة النعيمية، وبعد ذلك انتقلت إلى موقعها الجديد في منطقة الجرف، بعد أن أهداها صاحب السمو حاكم إمارة عجمان قطعة أرض كبيرة أقيمت عليها المكتبة الحالية ومسجد.
المكتبات تفتح آفاق المعرفة أمام طلبة العلم
الدكتورة مريم سالم عبد الله بن حميد تحدثنا عن تجربتها مع المكتبة وتقول: «مكتبة الوالد الشَّيخ سالم بن عبد الله آل حميد في منطقة الجرف بعجمان، تبرُزُ واحدة من مكتبات الدَّولة الخاصَّة، فهي مكتبةٌ عامرةٌ بشتَّى المصادر، والمصنَّفات القديمة، والحديثة، ويرتادها يوميَّا كثيرٌ من طلبة العلم في مختلف مراحلهم التَّعليميَّة، وتُقدِّم خدماتها المجَّانيَّة تطوُّعًا وقُربةً لله تعالى ثُمَّ خدمةً للأمَّة الإسلاميَّة والعربيَّة، وبالنِّسبة لي فأنا أرتاد المكتبة يوميًّا منذ الصَّباح الباكر، وأقضي بها ساعات يومي ما بين بحثٍ، وكتابةٍ، واطِّلاعٍ، وقراءةٍ حتِّى يخيِّم عليَّ اللَّيلُ لأعود إلى المنزل وكُلِّي آمالٌ بقضاء يوم غدٍ آخر على نحو سابقه، فمنذ طفولتي وأنا أحبُّ القراءة، ولديَّ مكتبتي الخاصَّة والمنفصلة عن مكتبة والدي، وأحرص دائما على تزويدها بالجديد الَّذي أحتاجه في دراستي، وقراءتي العامَّة، وهكذا نشأت محبَّةً للعلم، والثَّقافة، متأثِّرةً بوالدي.
وبمن حولي ممَّن يتوسَّمون فيَّ الخير الكثير، ويشجِّعوني على بذل المزيد من الجهد في بلوغ الأهداف، والأماني، وأحمدُ الله تعالى أنه رزقني بوالدين كلاهما محبٌّ للثقافة؛ والدي سالم بن عبد الله آل حميد الذي تعهدني في الصغر، وأدخلني مدرسةً دينيَّةً تعلَّمت فيها العلوم الشرعيَّة قبل دخولي المدرسة الانتظاميَّة، أمَّا والدي الثَّاني فهو جمعة الماجد الَّذي تعهدني من خلال جهده ودوره في إنشاء كلية الدِّراسات الإسلاميَّة والعربيَّة بدبي، والَّتي التحقت بها لدارسة العلوم الإسلاميَّة، فحصلت على البكالوريوس، والتحقت ببرنامج الماجستير الَّذي أُعدُّ رسالتي فيه في مراحلها الأخيرة في تخصُّص أصول الفقه، ولديَّ رغبةٌ كبيرةٌ إن شاء الله في الالتحاق ببرنامج الدُّكتوراه في نفس الاختصاص، فبفضلٍ من الله، ثُمَّ بجهود الوالد جمعة الماجد أُتيحت لنا فرصة التَّعليم الشَّرعيِّ العالي، فكليَّتي أوَّل كليَّةٍ تمنح درجة الدُّكتوراه على مستوى الدَّولة بشكلٍ عامٍّ، وفي تخصُّص الشَّريعة بشكلٍ خاص.
وأستطيع أن أقول بأنَّ سالم تعهدني في مراحل حياتي الأُولى، ووالدي جمعة الماجد في مراحلي الجامعيَّة والعُليا؛ أمَّا عن موضوع رسالتي للحصول على درجة الماجستير، فهو في تحقيق كتاب التَّكميل في شرح أصول البزدويِّ، للشَّيخ عمر بن عبد المحسن الأرزنجانيِّ (توفي في حدود 700 ه) وأهمِّيَّة الشَّرح تأتي من أهمِّيَّة المتن المشروح، فأصول البزدويِّ من أهمِّ المتون الأصوليَّة المعتبرة عند علماء الحنفيَّة.
افتتاح مقهى ثقافي ومكتبة متعددة اللغات في متحف عجمان
بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، تسعى حاليا دائرة الثقافة والإعلام في عجمان إلى تطوير متحف عجمان الوطني، حيث يجري العمل على إنشاء قاعة متعددة الأغراض، وكذا مقهى ثقافي تلحق به مكتبة متعددة اللغات، سوف يتم افتتاحها خلال هذا العام، ليستفيد منها الباحثون والزائرون الراغبون في التعرف على التراث الوطني والمحلي للإمارة.
وقال إبراهيم سعيد الظاهري مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بعجمان، إن هذا العمل يأتي في إطار تكريس مفهوم القراءة والاطلاع للكتاب، ودعماً لنشر المزيد من الأعمال الثقافية في الإمارة، وحول المكتبات الأهلية المنتشرة في عجمان قال الظاهري: لعبت المكتبات في إمارة عجمان دورا مهما في تحقيق تلك الأهداف، منها مكتبات «الشيخ عبد الله بن محمد الشيبة» و«راشد بن حميد الثقافية» و«الشيخ سالم بن عبد الله آل حميد العامة».
حيث تعد الأخيرة من أكبر المعالم الثقافية في عجمان، وتستقبل على مدار العام عشرات الآلاف من الباحثين والزوار وطلاب العلم وذوي التخصصات المختلفة لاستكمال أبحاثهم، لأنها تحتوي على أكثر من 50 ألف عنوان، تشمل جميع التخصصات في مختلف فروع العلم والمعرفة، إلى جانب جميع الدوريات المحلية الصادرة عن الدولة وكثير من الدوريات الخليجية والعربية.
جميل محسن

