اختتمت مساء أمس في فندق انتركونتيننتال - أبوظبي؛ فعاليات مؤتمر «صون التراث الموسيقي للمستقبل» الذي عقدته هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث تزامناً مع إطلاق وتأسيس «مركز العين للموسيقى في عالم الإسلام» الذي سيجري افتتاحه في مدينة العين عام 2011، وحضر المؤتمر الذي استمر ليومين خبراء وأساتذة متخصصون في علم الموسيقى من كافة أنحاء العالم.
وترأست الجلسة الأولى الدكتورة راضية سلطانوف الأستاذة بجامعة كامبيردج، التي قدمت عرضاً مفصلاً لجذور الموسيقى الأوزبكية واستخدمت التراث الموسيقي لوادي «فيرغانة» كنموذج في بحثها عن الموسيقى الوسط-آسيوية، فأشارت إلى الآلات الموسيقية المستخدمة في ذلك الوادي الأخضر الذي يعتبر منبع الموسيقى الأوزبكية الأول منذ القرن الأول قبل الميلاد كما تورد المصادر التاريخية، وانتقدت سلطانوف الانغلاق الثقافي والجمود الفكري الذي عانت منه تلك المنطقة في ظل القبضة الحديدية للاتحاد السوفييتي السابق، فكانت الفنون الموسيقية والأدائية المتوارثة للأوزبك تمارس في السر.
وأضافت سلطانوف: «لقد انطلقت من ذلك الوادي فنون متعددة ظلت محافظة على جذورها إلى اليوم رغم الصعوبات أيام العهد الشيوعي، وأثبت التراث المصور والمدون أن نساء ذلك الوادي مارسن الغناء والعزف على آلة «دوتار» الكلاسيكية وشكلن فرق غنائية مسرحية تمارس الغناء والموسيقى الصوفية الإسلامية التي تصبغ ذلك الفن القديم، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فأن ما تواجهه الموسيقى والفنون الأوزبكية القديمة لا يقل خطورة بظواهر مثل العولمة التي يشكل الصراع معها في تلك المنطقة من آسيا الوسطى، منطلقاً لتوثيق وحفظ وأرشفة ما تبقى من الفنون الموسيقية القديمة».
بعد كلمة الدكتورة سلطانوف؛ جاء دور البروفيسور ثيودور لافين مدير مشروع «آغا خان» لموسيقى آسيا الوسطى الذي تحدث مسهباً عن هذا المشروع الذي انطلق عام 2000م بعد انهيار النظام الاشتراكي السوفييتي، والجهود المبذولة في توثيق وحفظ التراث الموسيقي لجمهوريات الجنوب السوفييتي الإسلامية كأوزبكستان وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان ودولة أفغانستان ويمتد ليشمل المناطق الكردية.
ويهدف المشروع وفق البروفيسور «لافين» إلى دعم وإنشاء شبكة مدارس ومراكز موسيقية في تلك المناطق وزيادة الرقي الموسيقي والتثقيف الفني في الجمعيات المختصة بتلك البلدان، وتوثيق التراث الموسيقي، وتعزيز مقاربات جديدة للابتكار الموسيقي، ثم عرض المتحدث لنماذج من مقطوعات موسيقية تم تسجيلها من تراث الشعوب الإسلامية في تلك الدول.
من جانبها انتقدت الباحثة المصرية د. عزة مدين قصور المؤسسات الحكومية في حفظ وصون التراث الموسيقي كما ينبغي لأسباب بيروقراطية، وبالتالي ضياع الجزء الأكبر من التراث الموسيقي المصري العربي، وفقدانه للكثير من الجماليات التي يختزنها، وهو ما أدى ـ والكلام ما زال للدكتورة مدين ـ إلى انطماس ذلك التراث واتجاه الأجيال المعاصرة في مصر نحو الموسيقى الغربية وعدم معرفتهم وتذوقهم لتراثهم الموسيقي الثري.
وأشارت المتحدثة إلى محاولات جادة قام بها الملك فؤاد حين دعا مطلع القرن الفائت إلى عقد مؤتمر دولي للموسيقى العربية حضره مئات المختصين من الغرب والشرق، وجرى توثيق وتدوين العديد من المقامات الشرقية والألحان، كما تطرقت الباحثة لتاريخ إنشاء بعض الفرق الموسيقية التي ارتبطت بالتراث الموسيقي كفرقة الموسيقى العربية وبعض المحاولات الأخرى، وتطرقت الباحثة إلى إشكالية كتابة النوتات الموسيقية في العالم العربي والتي تختلف شكلاً ومضموناً عن النوتات الغربية المعروفة وكيف أسهم ذلك بغياب إرث مدون بصورة صحيح لكثير من أشكال الموسيقى العربية.
ثم تحدث البروفيسور النيجيري عبدالله أبو أدمو عن تجربة حفظ التراث الموسيقي الإسلامي في إفريقيا، وتحدثت بعده الدكتورة أمينة يوسف زاده عن الموسيقى الإسلامية ببلاد فارس، واختتمت الكلمات مع كلمة للدكتور ألكسندر دجوميف الأستاذ بجامعة آسيا الوسطى، وفي نهاية المؤتمر، تقدم المشاركون فيه بالشكر والتقدير لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على ما بذلته من جهد ضخم في صون الموسيقى والتراث والثقافة بكافة أشكالها، وشجعوا خطوتها بإنشاء «مركز العين للموسيقى في عالم الإسلام» الذي سيكون معلماً بارزاً في ثقافة المنطقة والعالم.
أبو ظبي- محمد الأنصاري
