كان جميع أهالي الفريج يحترمونه ويقدرونه وينزلونه منزلته اللائقة به، حتى الصغار كانوا كذلك معه. كان ملء السمع والبصر، محبوباً مقدراً لعلمه ووضعه الاجتماعي المميز.
ترك الشيخ أحمد بن ظبوي عمله في مدرسة الفلاح بمكة المكرمة، بناء على توجيه من الشيخ محمد نور، والتحق مدرساً بالمعهد الديني في دبي، وكان يدرّسنا الحساب واللغة العربية والدين، فكان كما ذكرت يتحدث معنا بلهجة فيها شيء من المفردات والنطق الحجازي الذي تأقلم عليه في مجتمع مكة المكرمة.
وكنا نستغرب وقتها من ذلك إلى أن عرفنا انه أمضى فترة طويلة في مكة المكرمة حيث زال استغرابنا وفي ذات العام أو بعده بقليل انتقل الشيخ عمر الماجد من المعهد الديني بطلب من الشيخ راشد بن سعيد وعيّن نائب مدير دائرة الأراضي والأملاك بدبي ولكن بقيت صلته بالمعهد وأساتذته قوية مترابطة...
وقام الشيخ عمر بالإمامة في مسجد الشيوخ بزعبيل والخطابة في مصلى العيد بدبي... وكانت شخصية الشيخ أحمد بن ظبوي شخصية تربوية قوية وحازمة يفرض على الطلبة الخوف المصحوب بالاحترام والتأدب معه وكان يولي دروسه أهمية بالغة فلم يكن ليدع الوقت يمضي دون فائدة وإنما كان يستغله كاملاً بأكبر قدر من الشرح وإفهام الطلبة الدرس وتبسيط المعلومات وكان الشيخ بارعاً في تدريس علم الحساب الحديث.. ولقد كان المنهج الديني والعربي في المعهد منذ بداية إنشائه قوياً جداً كفيلاً بتخريج طلبة على مستوى متميز من العلم العربي والشرعي فأذكر أننا ونحن في الصف الأول المتوسط أي الصف الخامس الابتدائي الآن كان يدرسنا الشيخ محمد بن يوسف رحمه الله معلقة النابغة الذبياني:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار
ماذا تحيون من نحت وأحجار
كنا نحفظها عن ظهر قلب ونحفظ معاني مفرداتها وشرحها ونحن في سن صغيرة جداً تقارب العاشرة من العمر فانظر كيف كان مستوى الدراسة في المعهد.. وعندما تقدمنا في السن وتقدمنا في الصفوف كنا ندرس أمهات الكتب المعتمدة في الفقه واللغة العربية والصرف والأدب وقد حفظنا في اللغة مساحة كبيرة من ألفية ابن مالك ودرسنا كتاب شرح ابن عقيل على الألفية رغم دقة تخصصه وتفصيلاته في هذا الجانب النحوي وفي الصرف ونحن صغار السن درسنا في الصف الرابع المتوسط كتاب قطر الندى وبل الصدى إلى غير ذلك من كتب الشروح والمتون في مجال اللغة والعلم الشرعي..
ورغم الجد الذي كان يتسم به الشيخ بن ظبوي في حصصه إلا أنه كان مرحاً ذا دعابة لطيفة يقوم بها بين الفنية والأخرى ترويحاً لنفوس الطلبة ولكنها لم تكن لتطغى على حصته وإنما تكون لماماً.. وكانت أكثر تعليقاته جميلة محببة إلينا وكانت أكثرها باللهجة الحجازية.. وكان الشيخ أنيق الملبس وكثيراً ما يحمل تحت إبطه عباءته كعادة المطاوعة في ذلك الوقت حيث لم يكونوا يلبسونها إلا في بعض المناسبات ويضع الغترة على رأسه بدون عقال على الطريقة السعودية وان كان في فترة لاحقة اعتمر العقال على الغترة طبقاً للزي الإماراتي..
ولم يكن الشيخ بن ظبوي كما ذكرت ليتسامح مع الطلبة في تحصيل العلم وإنما كان يحملهم على مذاكرة الدروس وفهمها وحل الواجبات والمشاركة في الفصل وكان شديداً إذا قصّر الطالب في دروسه وكانت وسيلة العقاب المعروفة لديه ليست العصي مطلقاً وإنما الفرك بأصابعه على شعر جانبي الرأس فكان عقاباً مؤلماً يتحاشاه الطلبة بالجد وحل الواجبات..
لقد كان الشيخ بن ظبوي يمثل حقيقة دور المدرس الناجح.. وأذكر أنه كان يدرسنا القرآن وكان مقرراً علينا حفظ جزء منه كل سنة دراسية وكنا نحفظ على يديه الجزء كاملاً ولم يكن يتأخر أحد منا عن ذلك مطلقاً احتراماً وهيبة وخوفاً منه.. وكان الشيخ بن ظبوي شخصية أخرى في الفصل جاداً ملتزماً بعكس ما يكون خارج الفصل بين زملائه الأساتذة حيث يكون لطيف المعشر متبسطاً خاصة عندما نكون معه في الرحلات التي ينظمها الشيخ عمر الماجد للمدرسين، فقد كان الشيخ بن ظبوي غير الذي نعرفه في الفصل تماماً..
وكان الشيخ بن ظبوي يرتبط مع زملائه المطاوعة بعلاقات حميمة مع بعضهم حتى ليكاد الرائي يعتبرهم أخوة وليسوا زملاء وكانوا كثيري الاحترام والحب والمودة لبعضهم إلى درجة التبجيل مرتبطين ببعضهم بعلاقات طيبة أثناء التدريس وبعده يشكلون مع بعضهم وحدة اجتماعية فريدة.. وأذكر أن الشيخ عمر أمدّ الله في عمره كان يهوي الرحلات لا يدع مناسبة تمر إلا ويأخذهم إلى البر في كثير من الرحلات وأحياناً تستغرق الرحلة أسبوعاً كاملاً حسب نوع الإجازة ومدتها حتى أصبح طابع الرحلات قاسماً مشتركاً بينهم وهواية متأصلة في نفوسهم تعلمناها منهم، إذ كانوا يصحبوننا معهم فيها دائماً، وكانوا يقضون فيها أمتع أوقاتهم بين جمع الحطب والطبخ والتمتع بمناظر الطبيعة الخلاّبة خاصة أثناء المطر وتجمع الغدران وبين السوالف الليلية الجميلة والحكايات المسلية وخفة الروح والدعابة الجميلة الملتزمة بإطار الشرع والعادات ولا تزال ذكريات هذه الرحلات ماثلة في أذهاننا إلى اليوم نتذكرها ونترحّم على من مات من أصحابها وندعو للباقين بالصحة وطول العمر..
واستمر الشيخ بن ظبوي مع زملائه في المعهد الديني في بيت بن حافظ ثم لما طغى البحر عليه وكسّر جدرانه نقل المعهد الديني إلى المدرسة الأحمدية القديمة وذلك عام 1967م..
وكم كانت فرحتنا ونحن صغار حين نشاهد الأمواج تلطم جدران المعهد ويتناثر رذاذها على الصفوف لأننا نعلم أنه سيتم إنهاء الدراسة في ذلك اليوم أو جميع الأيام التي تتصاعد فيها أمواج البحر لنتفرغ للعب ونترك عناء الدراسة ونظراً لمد البحر المتواصل قامت الحكومة وقتها مشكورة في نهاية الستينات بردم مسافة واسعة من البحر انحسر فيها إلى مدى بعيد بحيث بني بعد ذلك في جزء من مكان هذا الردم فندق حياة ريجنسي، وبذلك زادت رقعة اليابسة في ديرة من ناحية البحر الشمالي وكان وقتها عملاً كبيراً وفّر أرضاً واسعة وحمى البيوت من هيجان البحر المتواصل خاصة وقت رياح الشمال العاتية التي تهيج البحر بشكل صارخ تتأذّى منه البيوت في مثل تلك الظروف ويسبب خسائر فادحة لأهلها..
وانتقل المعهد كما ذكرت إلى المدرسة الأحمدية ذلك العام حسب ما أتذكّر وفي العام التالي 1968 قد تم الانتهاء من بناء مبنى جديد للمعهد في منطقة البراحة جنوب مستشفى الكويت فانتقلنا إليه وهناك عمل الشيخ أحمد بن ظبوي في الإدارة مساعداً للشيخ أحمد حمد الشيباني الذي كان ناظراً للمعهد وهناك انضم إلى فئة المدرسين المواطنين (المطاوعة) كل من الشيخ أحمد بن حافظ وعبيد بن حميد ومحمد بن خليفة المهيري.
وزاد عدد طلبة المعهد زيادة ملحوظة بحيث لم يعد يكفي المبنى أعدادهم المتزايدة وبعد فترة بني مبنى للدارسة الثانوية ألحق بالأول فصار الشيخ أحمد بن ظبوي ناظراً للمعهد الابتدائي واستمر في هذا المنصب إلى أن ترك التدريس بعد ذلك في الثمانيات.. وقد كانت لفته طيبة من الأستاذ عبدالله عمران وزير التربية والتعليم السابق وتقديراً منه لدور وجهود هذه الفئة من الأساتذة المواطنين القدماء بحيث خفف عنهم العبء في أواخر سني أعمارهم ولم يكلفهم بالتدريس مع صرف رواتبهم كاملة فكانت إحدى اللفتات الكريمة منه تجاههم التي يشكر عليها..
وبذلك اكتملت مسيرة الشيخ بن ظبوي وزملائه الدراسية التي بدؤوها منذ زمان طويل فأدوا واجبهم خير أداء وظلوا في ذاكرة الأجيال أحياء لا يمكن نسيانهم فاكتمل العقد ثم انفرطت حباته بأخبار وفاة كل فترة واحد منهم حتى لم يبق بعد وفاة الشيخ أحمد بن ظبوي سوى ثلاثة منهم ندعو لهم بطول العمر.. وظل الشيخ بن ظبوي بعد تركه للتدريس مواظباً على قراءته واطلاعه حتى أنه كان عالماً في علوم الشرع وخاصة في الفقه الذي وصل فيه كما أرى إلى درجة الفتيا..
لقد كان أحمد بن ظبوي زينة الفريج ونوره الوضّاء وكم أكون سعيداً حين أراه في المسجد وانتظره حتى يكمل سنّته لأسلم عليه وأقبّل يديه الطاهرتين أستنشق منها عطر الصفاء والنقاء والطهر والأبوة الحانية وكم تكون سعادتي حين يلمس بيديه صدري ويمسح عليه ويدعو لي حتى في أيامه الأخيرة التي لم يكن قادراً على النطق ألمح من حركات يديه وتمتمات شفتيه معنى حديثه الذي ينفحني سراً به فأرتاح وأستشعر طعم الطمأنينة تسري في قلبي وأتذكّر برؤيته والدي وكل أولئك الأساتذة الأفاضل أصحاب الفضل علينا جميعاً الذين مات بعضهم رحمهم الله ولا يزال القليل منهم على قيد الحياة أمدّ الله في أعمارهم وبارك فيهم.
ولكم هو جميل أن نرى طلبة الشيخ أحمد بن ظبوي اليوم حين سمعوا خبر وفاته يعزون بعضهم بعضاً ويعتبر كل واحد منهم أنه المعزِّي والمعزَّى فيه.. ندعو الله له بالمغفرة والرضوان والرحمة والإحسان.
