بالقرب من شاطئ الخان في الشارقة يقع متحف الشارقة البحري، حيث عالم صيد السمك واللؤلؤ وحيث أجواء البحر المفعمة بالمغامرات والتحديات والصبر والمعاناة.
يؤرخ متحف الشارقة البحري لمراحل عديدة من التاريخ المضيء للعمل في البحر منذ قديم الأزل.. كانت البدايات متواضعة في العمل حيث عمل السكان في الصيد والتجارة، ثم تحول الأمر إلى عمل ضخم يعتمد على القوارب الشراعية والأشرعة المثلثة التي استخدمت كأحد رموز الخليج العربي، وشمل النشاط صيد اللؤلؤ والتجارة التي امتدت إلى بلاد الصين.وفي داخل المتحف تشعر بعبق التراث الجميل يطل من بين المعروضات التاريخية ليؤكد مدى تأثير حضارة البحر في التطور التاريخي للدولة، وكيف وضع البحر توقيعه على صفحة ناصعة من صفحات التاريخ، فالأصوات التصويرية تجسد صوت الموج وأصوات الطواش وتبث مؤثرات تأخذك إلى عالم الماضي فتتصور أنك تشارك ولست فقط متفرجاً.
تعرض الصالة الرئيسية مجموعة كبيرة من المقتنيات التراثية واللوحات العملاقة والصور القديمة تدور كلها حول العلاقة بين سكان السواحل والبحر.. تتوسط الصالة سفينة صيد عملاقة من الطراز القديم تحمل كل معدات الصيد وتعد على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى عرض البحر. تسرد المعروضات قصة اللؤلؤ وتقول إحدى اللوحات إنه أحد أهم صادرات الشارقة إلى جانب التمر والأسماك، وكانت تجارته رائجة مع إيران والهند والصين وشرق أفريقيا. وتؤكد اللوحة المجاورة معرفة صيادي الشارقة بالملاحة عن ظهر قلب، واستخدامهم بوصلة بها 32 درجة منها 16 للشرق ومثلها للغرب وكانت المنصة الرئيسية تعرض زوجاً من الفنارات «مفردها فنر» وهو المصباح المستخدم لتنبيه السفن الأخرى لتفادي الاصطدام في الليل ويوضع هذا الفنر الأخضر على طرف القارب الأيمن بينما يوضع الأحمر على الطرف الأيسر..
أيضاً تعرض نفس المنصة هرن يدوي «بوق» كان يستخدم لنفس الغرض، وكذلك البوصلة التي تحدد الاتجاهات والجرخ وهي الدائرة التي تحرك يميناً ويساراً فتتحرك الدفة ويتغير اتجاه السفينة.وتعرض إحدى اللوحات نبذة عن البحار العربي الأشهر أحمد بن ماجد، وتقول إنه من مواليد منطقة «جلفار» التي تقع قرب مدينة رأس الخيمة حالياً وكانت أهم أعماله «كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» الذي قام بتأليفه عام 1490 الميلادي الموافق 895 الهجري، وهو الكتاب الذي سجل المعارف البحرية التي جمعها بن ماجد بنفسه إضافة إلى ما جمعه أباه وجده ومن سبقهم من البحارة العرب.
إنهاء الصفقة
ضمت المعروضات أيضاً مجموعة كبيرة من ملاقط اللؤلؤ والمنظار المكبر الذي يتألف من عدستين مكبرتين يستخدمه الطواش لفحص حبات اللؤلؤ ومكبر له مقبض من العاج ومبرد معدني يستخدم لصقل حبات اللؤلؤ وسكين صغيرة لتنظيف حبات اللؤلؤ ومجموعة من المثاقب لها مقابض خشبية.
وتعرض إحدى المنصات نموذجاً بالحجم الطبيعي لعملية بيع اللؤلؤ وضعت تحت عنوان «إنهاء الصفقة» وتوضح كيف يتم البيع من خلال نظام المزايدة السرية حيث يقوم المشتري بعرض السعر على البائع باستخدام إشارات يدوية تتم تحت قطعة قماش حمراء يحملها الطواش وتسمى «المخمل» لا يراها البائعون الآخرون ويفوز بالصفقة من يعرض السعر الأعلى.
وفي أحد الأركان تعرض الأدوات التي استخدمها الصيادون أثناء رحلاتهم في عرض البحر ومنها البشتختة وهو صندوق صغير مصنوع من خشب الساج يحفظ فيه اللؤلؤ وأدوات الطواش، أيضاً تعرض مجموعة من أدوات الوزن تسمى «المثاقيل» وهي أوزان قياسية معروفة ومتفق عليها بين تجار اللؤلؤ، وبجواره نجد صندوقاً آخر يحفظ فيه النوخذة أدواته وملابسه وأدوات السفر، كما تضم المنصة نماذج من المحار وهو نوع من الكائنات البحرية ذو أحجام وأنواع عديدة ينتشر في الأماكن الصخرية والرملية.
وفي أحد أركان الصالة الرئيسية من متحف الشارقة البحري وضعت مجموعة من مصائد السمك التقليدية ويطلق عليها «القرقور» وكانت تصنع من جريد النخل، كما تعرض نماذج من قوارب الصيد المتنوعة التي استخدمها الصيادون قديماً في الأغراض المتنوعة منها نموذج لقارب جالبوت وآخر لخشب الساج «الساي» الذي يعتبر بالنسبة لغيره من الأخشاب بمنزلة الذهب بالنسبة لباقي المعادن، فمميزاته كثيرة، ويعد أفضل الأخشاب لصناعة السفن حيث يمتاز بقدرته الفائقة على مقاومة الماء لصغر مسامه واحتوائه على مادة دهنية تقلل من تأثير المياه السلبية عليه، وله رائحة تشبه رائحة الجلد ويستخدم لصنع ألواح السفينة الخارجية.
وتعرض إحدى المنصات تحت إضاءة متميزة نموذج مركب الصمعا الذي قدم كهدية للمتحف من عبد الله السري نجل النوخذة جمعة السري الذي كان نوخذة هذا المركب، وكان يستخدم بشكل أساسي في صيد اللؤلؤ، وكانت المركب تبحر من الشارقة مرتين في السنة إلى أماكن تجمع اللؤلؤ في الخليج العربي.
تعرض أيضاً في نفس الركن نماذج لمركب الشوعي وهو المركب التقليدي الذي لاتزال صناعته قائمة في منطقة الخليج وهو قارب الصيد الرئيس في المنطقة ويعمل بالمحرك بدلاً من الشراع، ويتسم بشكل مختلف حيث ارتفاع في المؤخرة المجهزة بقطعتين خشبيتين أشبه بالزعانف وظهره العريض ومقدمته المزدوجة المنحنية، يليه قارب البدن بشكله الغريب المزدوج الحافة وكانت تستخدم الأحجام الصغيرة منه في الصيد الساحلي، أما الأحجام الكبيرة والتي كانت تبحر بشراعين فقد وصلي بمبادلاتها التجارية حتى أفريقيا.
ويتميز البدن حسب المذكور في لوحة الإرشاد بمتن طويل ورشيق ومقدمة حادة وقائم خلفي ممشوق وتم ربط عمودي المقدمة والمؤخرة وتثبيتهما معاً بألواح القارب الخشبية، وكانت هذه الطريقة هي التقنية الوحيدة المستخدمة في صنع القوارب.
أما قارب الشاحوف فكان يزين منصة العرض في شموخ، ويعتبر أكثر القوارب الصغيرة شيوعاً في المنطقة، ويتراوح طوله بين اثني عشر وخمسة وعشرين قدماً، ويتسم بمقدمة مدببة وقائم خلفي منتصب مزدوج الحافة، واستخدم لأغراض عديدة منها صيد اللؤلؤ والأسماك على السواحل، أما في الوقت الحالي فقد تم تعديل مواصفاته ليشترك في السباقات البحرية العصرية.
وفي إحدى المنصات الصغيرة تعرض جرة مصقولة تعود أصولها إلى العراق التي استمرت علاقاتها التجارية مع هذه المنطقة آلاف السنين، وتم تشكيل زجاجة عطر منتفخة على شكل جرة صغيرة ذات يدين، وأحضرت من إحدى مقاطعات الامبراطورية الرومانية، ويعود تاريخها إلى ما قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
أدوات قديمة
وفي المنصة المجاورة تعرض مجموعة من الأدوات التي كانت تستخدم في الحياة اليومية إذ لم يكن البحر فقط مصدراً للغذاء لأهل الشارقة الأوائل بل كان أيضاً مصدراً للأدوات التي تساعد على تسهيل أمور الحياة، ومنها الأصداف التي تشبه ثمرة التين واستخدمت كآنية طبيعية لإرضاع الأطفال منذ 2000 عام تقريباً حتى وقت قريب.
ضمت صالة العرض أيضاً مجموعة من الأدوات والبضائع التي كانت نتاجاً للحركة التجارية النشطة عن طريق البحر، ومنها إناء صنع في مملكة البحرين منذ آلاف السنين ونقل وسط بضائع تجارية أخرى عبر البحر إلى الميناء القديم الذي يبعد 30 كم شمالاً والمعروف باسم تل أبرق. أيضاً ضمت نفس المنصة مشطاً من العاج مصنوعاً من أنياب الفيل مما يدل على قيام علاقات تجارية مع الحضارة الهندية منذ القدم كما ضمت العديد من الدلائل على وجود علاقات تجارية مكثفة بين سكان شبه الجزيرة العربية ودول ما بين النهرين «حالياً هي العراق وغرب إيران» كما كان يتم تصدير النحاس المستخرج من جبال عمان عبر ميناء يل أبرق.
«القرقور» أبرز مصائد السمك التقليدية
في أحد أركان الصالة الرئيسية من متحف الشارقة البحري وضعت مجموعة من مصائد السمك التقليدية ويطلق عليها «القرقور» وكانت تصنع من جريد النخل، كما تعرض نماذج من قوارب الصيد المتنوعة التي استخدمها الصيادون قديماً في الأغراض المتنوعة منها نموذج لقارب جالبوت وآخر لخشب الساج «الساي» الذي يعتبر بالنسبة لغيره من الأخشاب بمنزلة الذهب بالنسبة لباقي المعادن، فمميزاته كثيرة، ويعد أفضل الأخشاب لصناعة السفن حيث يمتاز بقدرته الفائقة على مقاومة الماء لصغر مسامه واحتوائه على مادة دهنية تقلل من تأثير المياه السلبية عليه.
جرة ترمز لعلاقات عمرها آلاف السنين
يعرض في إحدى المنصات الصغيرة لمتحف الشارقة البحري جرة مصقولة تعود أصولها إلى العراق التي استمرت علاقاتها التجارية مع هذه المنطقة آلاف السنين، وتم تشكيل زجاجة عطر منتفخة على شكل جرة صغيرة ذات يدين، وأحضرت من إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية، ويعود تاريخها إلى ما قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي المنصة المجاورة تعرض مجموعة من الأدوات التي كانت تستخدم في الحياة اليومية إذ لم يكن البحر فقط مصدراً للغذاء لأهل الشارقة الأوائل بل كان أيضاً مصدراً للأدوات التي تساعد على تسهيل أمور الحياة.
أيمن حجازي


