لقد شكّل الشيخ بن ظبوي مع زملائه المدرسين حلقات مهمة من سلسلة التعليم في دبي وربما تكون هي أهم هذه الحلقات لأنها ضمن البدايات المهمة التي قام عليها فيما بعد صرح التعليم شامخاً في البلاد ولا يمكن لمؤرخ للتعليم أن يتناسى تلك الفترة لأنها ضمن الأساس والأهم في هذا الموضوع.
صبيحة يوم السبت الموافق 25/9/2009 غيّب الموت عن ناظرنا فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالله بن ظبوي لكنه بقي حياً قائماً في نفوس أبناء جيلي من التلاميذ الكثر الذين تتلمذوا على يديه فترة طويلة من الزمن ونهلوا من معين علمه وسمو أخلاقه وتربيته التي انعكست على سلوكهم والذين ملأوا فيما بعد مناصب كثيرة في دبي ودولة الإمارات ..
وكم كان منظراً مؤلماً وحزيناً حين ودعنا فضيلته ذلك اليوم بمقبرة القصيص لكنه في المقابل بقدر ما فيه من حزن كم كان المنظر جميلاً في غاية الجمال متمثلاً في وفاء أبناء البلد لهذا الشيخ الفاضل الذين احتشدت بهم المقبرة حيث جاءوا من كل مكان للصلاة عليه ودفنه وتوديعه خاصة تلاميذه الكثيرين الذين كانت علامات الحزن ترتسم على وجوههم وكأنهم يدفنون أحد أهاليهم، ولقد كان الشيخ كذلك بالنسبة لكل واحد منهم ..
ولكم كانت أيضاً جميلة وطيبة تلك الكلمات التي تفتر عنها شفاههم في ذكر محاسن الفقيد وفضله عليهم .. كان منظراً ملفتاً جميلاً حبيباً للقلب يرسم صورة طيبة ومثلى للعلاقة المتميزة بين المدرس وأبنائه الطلبة .. وأقول: أبناؤه لأنها فعلاً كانت في ذلك الجيل الجميل علاقة أب بأبنائه .. فقد كان المدرس من أمثال الشيخ بن ظبوي يمثل بجانب كونه مدرساً أباً حانياً مخلصاً حريصاً على تدريس تلاميذه وتربيتهم كما يربي أبناءه سواء بسواء وكانت التربية تأخذ قسطاً وافراً من اهتماماتهم لا تقل عن التعليم إن لم تفقه وكان الطلبة بجانب كونهم تلاميذ يمثلون دور الأبناء تماماً من خلال نظرتهم لمدرسيهم وتعاملهم معهم .
. وكانت المدارس وقتها قائمة على التربية أولاً ثم العلم ثانياً ويمثل المدرس قدوة للطالب والمجتمع معاً .. وكان المجتمع بأفراده رجالاً ونساءً يقدّرون دور المعلم في حياتهم ويجلونه ويعاملونه معاملة خاصة ربما لا تتوفر لغيره من الناس .. وكان الشيخ بن ظبوي من هؤلاء المدرسين الأفاضل الذين مارسوا هذه المهنة الجليلة وأنتجوا فيها، فقد تتلمذ على يديه كثير من أبناء البلد من أجيال عدة شغلوا فيما بعد كما قلت مناصب كثيرة في الإمارة والدولة وكانوا وماا زالوا يدينون له بهذا الفضل الجليل ..
لقد درس الشيخ بن ظبوي كعادة أبناء جيل ذلك الزمان في الكتاتيب بحي البطين بداية وتعلم فيها القرآن وبعض مبادئ القراءة .. وربما قرأ القرآن على يد والدته عائشة التي كانت لها مدرسة قرآنية في بيتها تعلّم فيها أبناء الفريج القرآن وقد عُرفت هذه المدرسة باسمها ثم بعد ذلك التحق بمدرسة الفلاح ببر دبي وبالمدرسة الأحمدية بديرة بمنطقة الرأس، وذلك في نهاية العشرينات، ودرس على يد مدرسيهما وخاصة الشيخ محمد نور والشيخ أحمد حمد والسيد محمد الشنقيطي وعبدالرحمن بن حافظ وغيرهم وعلى يد المدرسين الزبيريين الذين استقدمهما المحسن الكبير محمد بن دلموك بعد افتتاح المدرسة الأحمدية في عام 1912 وهم يوسف الجامع وعبدالله المزين وأحمد العرفج وبعض المدرسين الآخرين من ضمنهم والدي رحمه الله محمد بوملحة.
حيث ذكر لي الشيخ أحمد بن ظبوي بأنه درس على يديه في الأحمدية، وبعد دراسته في هاتين المدرستين قام بالتدريس في مدرسة الفلاح والمدرسة الأحمدية وتتلمذ على يديه كثير من الطلبة وظل كذلك إلى نهاية الأربعينيات .. ولا يمكنني أن أعدد الطلبة الذين درسوا عنده في تلك الفترة ولكن يمكنني القول بأنهم جميع طلبة ذلك الوقت الذين درسوا في الفلاح والأحمدية وكان ذلك قبل دخول التعليم النظامي في البلاد الذي أدخلته وموّلته مشكورة دولة الكويت الشقيقة والتي ندين لها بالفضل أنا وأبناء جيلي حتى قيام دولة الإمارات ..
فقد تعلمنا ودرسنا على حساب هذه المكرمة السخية التي أسدتها الكويت لنا والتي مازالت ديناً جميلاً في أعناقنا نذكرها به ونشكرها عليه من أعماق قلوبنا التي لا تعرف الجحود ولا النسيان أبداً..
وسنبقى ما حيينا نحمل هذا الجميل على رؤوسنا وفي أعماق قلوبنا .. ولم يقتصر دور الكويت على التعليم فقد وإنما قرنت به العلاج والخدمات الطبية من خلال مستشفى الكويت الذي قدم العلاج المجاني من أصغر ما فيه كالتطعيم ضد الأمراض إلى إجراء العمليات الجراحية المختلفة .. فقد أسدت الكويت إلينا العلم والعلاج في وقت كنا أحوج ما نكون لهذا وسنبقى نذكر الكويت بذلك وندين لها به صادقين مخلصين ..
لقد ساهم الشيخ بن ظبوي مع زملائه في التدريس قبل دخول التعليم النظامي مساهمة فاعلة وهامة في وقت كانت الحياة فيه شحيحة والموارد ضئيلة جداً أقرب ما تكون إلى العدم .. وتخرّج على يديه ويد زملائه كثير من الطلبة الذين ينطبق عليهم لقب متعلمين بحسب ظروف ذلك العصر يقرؤون ويكتبون وبعضهم وصل إلى مرتبة في ذلك رشحته لأن يكون من الأدباء والشعراء والكتّاب وممن ينطبق عليهم وصف المثقفين .. وربما يكون من الخطأ أن نطلق على التعليم الذي جاءت به البعثة الكويتية عام 1956 التعليم النظامي في مقابل التعليم الذي سبق تلك المرحلة بحيث يوحي ذلك للقارئ بأن ذلك التعليم السابق كان بدائياً وغير نظامي ..
ولكن الصحيح أن التعليم في مدارس دبي قبل ذلك بفترة طويلة خاصة في المدرسة الأحمدية وفي غيرها من المدارس كالفلاح أو السعادة كان نظامياً بمعنى الكلمة حيث كانت هناك صفوف دراسية مختلفة ومنهج يدرس وعلامات ترصد وشهادات تُعطى في نهاية العام وطوابير صباحية وأناشيد مدرسية ونجاح ورسوب إلى غير ذلك من مميزات الدراسة النظامية حسبما استجليت جزءاً من ذلك في كتابي عن التعليم في دبي، ولكن لا يمنع أن تكون الفترة اللاحقة التي بدأت مع البعثة التعليمية الكويتية أكثر تنظيماً وأفضل في كثير من النواحي التعليمية إذ بها يؤرّخ فعلاً لمرحلة جديدة من التعليم في البلاد.
لقد قام الشيخ بن ظبوي ومعلمو تلك الفترة بجهد كبير وجبّار في تأدية هذه المهمة الجليلة وحملوا على عاتقهم هذه الأمانة الصعبة وأدوها بمنتهى الإخلاص والصدق والتفاعل الإيجابي مع المعطيات الصعبة لذلك الزمن المتمثلة في شح الموارد وصعوبة العيش والظروف الحياتية التي تفرض على الناس وحتى الصغار منهم الذهاب للغوص بحثاً عن لقمة العيش بحيث كان التعليم في حياتهم أمراً ثانوياً ليس بأهمية البحث عن الرزق ..
لكن أساتذة ذلك الوقت قاوموا ونذروا أنفسهم لهذا العمل ومارسوا مهنة التدريس رغم شح عطائها ومردودها عليهم خدمة لمجتمعهم وجيلهم وأداءً لضريبة العلم الذي يحملونه بين جنباتهم وبذلوا ما في وسعهم لأداء هذه المهمة وكانوا يدرسون على فترتين صباحية من الصباح إلى الظهر ومسائية من بعد صلاة العصر إلى المغرب.. وأذكر بأن الوالد رحمه الله كان يحدثني عن ذلك بأنه كان يدرس في فترة في مدرسة الفلاح التي أنشأها المحسن الكبير محمد علي زينل على فترتين صباحية ومسائية كما ذكرت حيث كان يسكن في ديرة في منطقة سكة الخيل ويمشي إلى العبرة حيث يعبر من هناك إلى المدرسة ويعود راجعاً لمرتين في اليوم الواحد .. فانظر إلى طول المسافة التي يقطعها كل يوم وإلى مدى المعاناة والتعب الذي كانوا يعانونه من أجل التعليم..
لقد كانوا رجال تلك المرحلة الصعبة التي يستحقون التكريم على عملهم فيها ..وكان الشيخ بن ظبوي مع زملائه الأساتذة يمتازون بجودة الخط فكانوا خطاطين درسوا الخط وتعلموا على إجادته منذ صغرهم حتى صاروا بالصورة التي رأيناهم عليها في خطوطهم الجميلة وكانوا يعتنون بالخط العربي عناية خاصة واهتماماً بالغاً ودرسونا إيّاه وحرصوا على أن يحملونا على إجادته مثلهم حتى كانت خطوطنا بعد فضل الله علينا بفضلهم أجمل بكثير من خطوط من جاء بعدنا من التلاميذ ..
وكانت ميزة طلبة ذلك الوقت هي جودة الخط وجماله بعكس اليوم الذي تراجع فيه فن الخط إلى درجة من الإهمال وعدم الاهتمام فلم يعد له ذلك المجد والبريق الذي كان له في ظل أولئك الأساتذة .. وكان الشيخ أحمد يقوم بالتدريس والإمامة والوعظ والافتاء وعقود الزواج أي أنه كان يفيد الناس في مجالات كثيرة مثله مثل أكثر زملائه المطاوعة في ذلك الوقت .
وفي نهاية الأربعينات وبترتيب من الشيخ محمد نور الذي كان قد سافر إلى مكة وأقام فيها مدرساً ثم مسؤولاً بمدرسة الفلاح هيأ رحمه الله لبعض طلبته السفر إلى مكة للاستزادة من التعليم مثل الشيخ أحمد بن ظبوي والشيخ عمر الماجد والشيخ عبدالجبار الذي كان له الشيخ محمد نور بمثابة الأب والتحق الشيخ بن ظبوي طالباً بمدرسة الفلاح هناك ودرس فيها فترة من الزمن على يد مدرسيها وأهمهم الشيخ محمد نور كما درس على يديه في الحرم المكي الشريف حيث كانت له حلقة علم كبيرة فيه.. وبعد تخرجه من الفلاح درس فيها أيضاً فترة أخرى إلى أن عاد إلى دبي في عام 1962 حيث ذكر بعض الأخوة بأن مدة بقائه في مكة كانت اثني عشر عاماً أو تزيد قليلاً حتى أن بقاءه طول تلك الفترة في مكة أثّر على لهجته حيث تأثر باللسان الحجازي في بعض مفرداته وطريقة نطقه .. (غداً الحلقة الثانية)
