أن تكون معلماً فذاك شرف رفيع لا يدانيه شرف، وأن تفني عمرك تبني العقول وتنير طريق الأجيال، فتلك رسالة إنسانية سامية، وأن تنتمي إلى جيل الرواد الأوائل ممن ساهموا في بدايات التعليم وتطوره عبر نصف قرن من الزمن، فأنت شاهد على العصر.
بالأمس القريب رحل المغفور له - بإذن الله - المربي الفاضل محمد راشد التميمي أول معلم نظامي انطلق من قلعة المويجعي في مدينة العين، بعد رحلة ثرية بالعطاء قضاها بين أحرف الأبجدية يعلم الأجيال جيلاً إثر جيل بعد أن نقلته الصدفة من شركة ارامكو السعودية إلى رحاب مدينة العين ليكون المعلم الأول، لقب ظل يعتز به طيلة حياته وحتى وفاته.تلقى التميمي بدايات العلم والمعرفة في مسقط ثم تابعها في البحرين والسعودية، بتشجيع من عمه الذي أرسله إلى مدينة اربد الأردنية وحصل على الشهادة الثانوية ثم عاد للسعودية ليلتحق في جامعة الملك عبد العزيز بن سعود، ومن ثم بدأ العمل في شركة النفط «ارامكو» واستطاع استكمال دراسة اللغة الإنجليزية.
ومما حدث له أثناء تلك الفترة أن الملك سعود بن عبد العزيز طلب منه حينذاك أن يكون مترجمه الخاص، حيث جاء ذات يوم الملك عبد العزيز بن سعود وأقام مخيماً بالقرب من مطار الظهران وطلب مترجماً، وقام بالمهمة على أكمل وجه، وفي اليوم التالي أرسل له الملك هدية خاصة عبارة عن بشت وغترة وعقال السعودي «شطفه» ومعهما 2000ريال، وأخذ صورة تذكارية بتلك الملابس أرسلها لأهله. وفي العام 1953 التحق بإدارة التربية والتعليم السعودية التي كان يرأسها حينذاك ريتشارد ميرفي الذي أصبح وزيرا للخزانة الأميركية فيما بعد، فأرسل التميمي إلى كاليفورنيا للتعمق أكثر في اللغة الإنجليزية.
طلب الشيخ زايد بن سلطان - رحمه الله - حاكم العين حينذاك مقابلة التميمي وكلفه بتعليم أبناء المنطقة، حيث أسس التميمي أول مدرسة نظامية في مدينة العين، وكانت يتم فيها في البداية تدريس مبادئ اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم، وكان ذلك في منتصف عام 1955، وكان هو المعلم الوحيد في العين.
كان أبرز تلامذته في الصفوف الأولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة - حفظه الله- والشيخ احمد بن مبارك وسمو الشيخ سلطان بن زايد والشيخ سرور بن محمد ومحمد سلطان الظاهري وبعض معارف الشيخ خليفة ينتقلون معاً من صف إلى صف أعلى وقد كتب لهم النشيد اليومي، وكان الطلاب يؤدون واجباتهم بانتظام، ويتصفون بأنهم أذكياء جداً ويرجع ذلك لصفاء العقول وشفافيتها وعدم وجود ما يلهون به كالأشياء التي تشغل الطلاب في زمننا الحاضر، كانوا يتنافسون نحو المعرفة ويتسابقون للجلوس على المقاعد، ومن المعلمين الذين تعاونوا معه خلال تلك الفترة يذكر هلال بن دري القبيسي وقد تكرم الشيخ زايد بمنحي مهمة المعلم.
المدرسة الفلاحية
في عام 1958 افتتحت مدرسة نظامية في أبوظبي «الفلاحية»، فاستدعى الأمر أن يتوجه إلى هناك، وبقي سنتين وفي العام 1958 افتتحت الحكومة البريطانية مدرسة نظامية في أبوظبي سميت «الفلاحية» وأمر في ذلك الوقت المغفور له الشيخ شخبوط بالانتقال إلى أبوظبي، ويروي الراحل عن تلك المرحلة فيقول: «أخبرت صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد بالأمر فجهز نفسه ورفاقه واتجهنا إلى أبوظبي في رحلة استغرقت يومين، قابلت الشيخ شخبوط فأعطاني كتاب التعيين، وأصبحنا مجموعة مدرسين منهم احمد محمود الخطيب، ومحمود أبو أصبع، ومحمود خواجه ومهدي الحاج وهاشم عطيه.
وبعد سنتين اخترت العودة إلى العين حيث ترافق ذلك مع بدء مدرسة أخرى نظامية أطلق عليها المدرسة النهيانية، أنشئت 1960 وأول مدير لها كان الأستاذ زهير أبو الأديب، وهو من المدرسين الأوائل الذين قدموا إلى مدينة العين، ترافق مع قدوم عدد كبير من المعلمين العرب الذين ساهموا في دعم العملية التربوية والنهضة التعليمية في الإمارات».
وكان المدرسون يتقاضون 60- 120 روبية، وكان التميمي هو المدرس الوحيد الذي يتقاضى 500 روبية وهو مبلغ كبير في ذلك الحين».
وجدير بالذكر أن الواقع الاجتماعي كان يجسد الأصالة والسمات العربية الراسخة بالعادات والعراف السمحة وكان الناس يؤكدون فيما بينهم الصلات الطيبة والتشاور، والجو مفعم بالاحترام والعدل رغم شظف المعيشة ولذلك انتصرت العزيمة على المصاعب، كنا نقضي الأمسيات بشكل جماعي، وكذلك كانت النساء يجتمعن معاً فيتسامرن ويقضين وقت الفراغ، و الحياة رخيصة جداً، ولم يكن يعرف من الأمراض إلا البسيطة الشائعة.
جائزة خليفة للمعلم
بعد سنوات طويلة في التربية والتعليم وتأسيس المدارس، التحق التميمي بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي ثم أوكلت إليه مسؤولية مستودعات المزارع وبقي حتى أحيل إلى التقاعد في عام 1996، وهكذا قضى ? رحمه الله- رحلة ممتعة قام فيها بواجبه كمعلم امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وقد شرفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في العام 1997 بمنحه جائزة خليفة للمعلم تقديراً لمنجزاته وجهوده في مجال التربية والتعليم في الإمارات.
وكان للراحل اهتمامات ثقافية وشعرية وله الكثير من القصائد، وقد نظم بعض الأناشيد، وإن كان يعدها مجرد محاولات، لكنها ليست منتظمة وبتواضع كان رحمه الله يتجنب أن يطلق على نفسه لقب شاعر، لأن ما كتبه من الشعر يعتبر قليلاً، وكان يكتب وينشد في المناسبات والسهرات وعلى معرفة بشعر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد.
ويرجع التميمي بدايات نظمه للشعر، وقصيدته الأولى إلى العشرينات من عمره ولا ينسى رحمه الله القصيدة التي انشدها أمام الشيخ زايد في إحدى المناسبات حين حضر لرعاية افتتاح المعرض الزراعي في مدينة العين في منتصف السبعينات، يقول مطلعها:
قف بي لتسمع من شعري ومن أدبي
فإن شعري مدحٌ صيغ في العرب
هم الرجال، هم الأبطال قد نهلوا
من شربة المجد كأساً عالي الرتب
العلم أبقى من المال
كان - رحمه الله - شاهداً على مرحلة مهمة من حياة دولة ومسيرة الشيخ زايد طيب الله ثراه التي نذرها لخدمة شعبه وتوفير سبل الرعاية له، لقد كان هدف زايد في كل لحظة هو الإنسان وتنميته، وبذل كل جهده لتحقيق شعار «العلم نور» فخرج به إلى واقع ملموس وحقق كل متطلبات التعليم بجميع مستوياته، وأدرك أن العلم أبقى من المال وأدرك أن الشيخ زايد منذ البداية اختار مدينة العين لتكون مقراً لأكبر صرح علمي وهي جامعة الإمارات والأمر لا بد من أن يكون له مغزى قصة تجعل هناك علاقة تربط بين الشيخ زايد والتعليم.
والعالم بات شريحة صغيرة على قرص مدمج أو على شبكة الانترنت، فيما كنا سابقا ننتظر عدة أيام بل أشهراً لنسمع بخبر أو نقرأ قصة أو حدثاً ما. لقد رحل التميمي رحمه الله بعد أن أنار بعلمه وتعليمه مسيرة أجيال واعدة من أبناء الإمارات يتبوأون الآن مراكز القيادة في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة التي تشهدها دولة الإمارات، ليظل كلامه شاهدا على بدايات عصر التعليم.
قصة أول مدرسة نظامية في العين
يروي محمد راشد التميمي رحمه الله قصة تأسيس أول مدرسة نظامية في العين فيقول: «تغير مجرى حياتي حين طلب الشيخ زايد بن سلطان - رحمه الله - حاكم العين حينذاك مقابلتي شخصياً وكلفني بمهمة تعليم أبناء المنطقة، حيث حضرت إلى قصر المويجعي، وبدأت يومذاك مع رحلة تأسيس أول مدرسة نظامية في مدينة العين، وكانت خطوتنا الأولى تدريس مبادئ اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم، وكان ذلك في منتصف عام 1955، وكنت المعلم الوحيد في العين».
ويروي أن الشيخ زايد «رحمه الله» لم يكن يرد له طلباً يتعلق بالتعليم ويسأله دائما عما يحتاج، وكان من الداعمين للتعليم، ويريد منه أن يعلم بكل ما يستطيع، وأن يغرس هذا التوجه في نفوس أهالي الطلاب. ويضيف التميمي: «ما أن طلبت من الشيخ زايد بناء صفوف للمدرسة حتى أمر رجلاً يدعى غريب بن محمد، أن يبني لنا غرفة نجعلها صفاً للتلاميذ، وبعد ذلك طلبنا تجهيزات الصف، فكلف الشيخ زايد هلال بن دري القيسي بجلب المستلزمات من دبي وأبوظبي، وكنت احرص على تعليمهم المحفوظات والأناشيد، والرماية بالبندقية.
وكان الشيخ زايد يطلب أن اعرف الطلاب بعضاً من أصول الزراعة، وزيارة الافلاج وواحات النخيل وتعريف الأجيال بهذه الثروة، وتم تأسيس فرقة للكشافة ويومها كتبت لهم نشيداً يقول: نحن كشاف العرب / خير ركن للوطن تحت ظل الحق نمشي / لا نبالي بالمحن. ويضيف: «كانت علاقتي بالشيخ زايد علاقة طيبة، فكان يحترمني كثيراً ويسألني باستمرار عن ظروف المدرسة وأحوال التعليم والطلبة، ومدى تجاوب الطلبة وطاعتهم وتنفيذهم واجباتهم، كان عاشقاً للعلم يقدر المعلمين والمتعلمين، ويشجع المواطنين على تحصيل المعرفة، ويزور المدرسة بين حين وآخر، وكنت التقي به لمدة ساعة كل يوم في برزة قصر المويجعي».
جائزة خليفة للمعلم تكلل جهود التميمي
حصل الراحل محمد راشد التميمي رائد التعليم النظامي في مدينة العين على جائزة خليفة للمعلم التي شرفه بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في العام 1997 تقديراً لمنجزاته وجهوده في مجال التربية والتعليم.
وتأتي هذه الجائزة بعد سنوات طويلة في التربية والتعليم وتأسيس المدارس، قضى خلالها رحلة ممتعة قام فيها بواجبه كمعلم امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، حيث أسس التميمي أول مدرسة نظامية في مدينة العين، وكانت يتم فيها في البداية تدريس مبادئ اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم، وكان ذلك في منتصف عام 1955، وكان هو المعلم الوحيد في العين.
ويذكر أنه كان للراحل اهتمامات ثقافية وشعرية وله الكثير من القصائد، وقد نظم بعض الأناشيد لطلبة المدارس، وإن كان يعدها مجرد محاولات، لكنها ليست منتظمة وبتواضع كان رحمه الله يتجنب أن يطلق على نفسه لقب شاعر، لأن ما كتبه من الشعر يعتبر قليلاً، وكان يكتب وينشد في المناسبات والسهرات وعلى معرفة بشعر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد.
التميمي من أوائل المدرسين في المدرسة النهيانية
مع بدء تأسيس مدرسة نظامية في العين أطلق عليها المدرسة النهيانية التي أنشئت في العام 1960 كان محمد راشد التميمي من المدرسين الأوائل الذين قدموا إلى مدينة العين ليدرسوا فيها، وترافق ذلك مع قدوم عدد كبير من المعلمين العرب الذين ساهموا في دعم العملية التربوية والنهضة التعليمية في الإمارات، وكان أول مدير للمدرسة النهيانية يومها الأستاذ زهير أبو الأديب.
وقد حظي التميمي في المدرسة النهيانية بالتقدير الكبير حيث كان المدرسون يتقاضون 60- 120 روبية، وكان التميمي هو المدرس الوحيد الذي يتقاضى 500 روبية وهو مبلغ كبير في ذلك الحين.
وكان قبل ذلك بعامين أي في العام 1958 قد افتتحت مدرسة نظامية في أبوظبي «الفلاحية»، حيث توجه إليها وبقي سنتين وأمر في ذلك الوقت المغفور له الشيخ شخبوط بالانتقال إلى أبوظبي، ويروي الراحل عن تلك المرحلة فيقول: «أخبرت صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد بالأمر فجهز نفسه ورفاقه واتجهنا إلى أبوظبي في رحلة استغرقت يومين، قابلت الشيخ شخبوط فأعطاني كتاب التعيين، وأصبحنا مجموعة مدرسين منهم احمد محمود الخطيب، ومحمود أبو أصبع، ومحمود خواجه ومهدي الحاج وهاشم عطيه».
العين - داوود محمد


