تشكل الأماكن الأثرية والتاريخية واجهة خورفكان السياحية، خصوصا أن روزنامة التاريخ بالمنطقة الشرقية حافلة وغنية بتعاقب الحضارات، فكان في سبيل ذلك لا بد من وضع خطة عملية لصيانة هذه المواقع الأثرية والحفاظ عليها. ومن هنا جا؟ مشروع تبناه شخصيا سليمان عبدالله الكابوري نائب رئيس بلدية خورفكان في إعادة ترميم وتجديد المواقع الأثرية بقالب حداثي راقٍ ليشكل خطوة مهمة في الإرث التاريخي، ويساهم في التنمية الاقتصادية ويشجع كذلك على السياحة الثقافية.
وقال الكابوري إنه اعتمد هذا المشروع بالتنسيق والتعاون مع عدة جهات معنية في تنفيذ خطة متكاملة للحفاظ على التراث وعلى المواقع التراثية بخورفكان، حيث نوه إلى الجهود التي تقوم بها البلدية ضمن هذه المشروع وصيانة الآثار، وكل ذلك بهدف تشجيع استقطاب السياح من الداخل والخارج، ما يوفر لسكان المدينة الأرضية الملائمة لاستثمارات سياحية متنوعة تراعي الشروط السياحية اللازمة، لافتاً إلى أن بداية المشروع كانت في برج الرابي المبني على قمة جبل والذي يطل على مدينة خورفكان، والناظر إليه في أي موقع من المدينة يستطيع مشاهدته. ويعتبر برج الرابي من أقدم وأعرق المواقع الأثرية بخورفكان، وهو ليس قلعة أو مربعة أو حصن- كما يعتقده أهالي ومرتادي المنطقة ؟ وأوضح الباحث وجامع التاريخ الشفاهي محمد خميس بن عبود النقبي أن برج الرابي يقع على مسافة ثلاثة كيلومترات ونصف من مدخل خورفكان، حيث تحتل جزءا من مرتفع جبل يطل شرقا على واجهة خورفكان، فيما يحده غربا الجبال ويحيط به شمالا المزارع والأودية وجنوبا يطل على البحر.
وبين محمد خميس وفق عدة روايات مأخوذة بأن مسمى برج الرابي جاء من تسمية الجبل ربوة البرج أي ربوة للجبل الذي بعده. واصطلاحا يروب بمعنى يشاهد من كل حدب وصوب، «كالعين الشاخصة لكل من يدخل ويخرج من المدينة». وهناك روايات كثيرة عن تاريخ تأسيس البرج، غير أن الباحث محمد أكد بناء على أبحاثه التاريخية التي امتدت على مدى 25 سنة حول دراسة تاريخ خورفكان، أنه شيد قبل ما لا يقل عن 97 سنة من قبل النقبيين في عهد الشيخ سعيد بن حمد بن ماجد القاسمي والمتوفى في عام 1937 وطبقا للصخرة التي عثر مكتوبا عليها بخط عربي قديم «بنينا برج الرابي في جمادى الآخر 1333 ه». مستذكراً نشيداً يتداوله كبار السن من أهالي المنطقة، يروي تفاصيل بنائه جاء فيه: «أمرنا الشيخ نبني الرابي ... والطين عندنا والحصى بنصابي».
ثلاثة أجزاء... ويذكر الباحث بعض التفاصيل المهمة في تشييد البرج فيقول تم توفير الماء لبناء البرج من طوي عبيد علاي النقبي، لافتا إلى عدم معرفته بالضبط لاسم مصمم البرج. وأوضح النقبي أن البرج مقسم إلى ثلاثة أجزاء الطبقة الأولى القاعدة وهي مربعة الشكل يجلس عليها البرج، والثانية الجدران ذات الشكل السداسي. ومن فوق «السطح» كجزء ثالث يأخذ شكلا دائريا متوجا بفتحات كأنها تيجان، كما أنه مسقوف من الأعلى وفيه بروز بارتفاع المتر من السطح، هذا بالإضافة إلى أن فيه مداخل وفتحات للبنادق والتهوية ومرافع «رمانة» لوضع لأسلحة والأمتعة عليه. والأدوات المستخدمة في البناء هي حجارة الجبل الحارة والطين المحروق والجص، ودخول بعض الأخشاب «خشب الكندل» والحبال. فيما السقف مصنوع من المنقور أو ما يطلق عليه «الدكن» وهي أخشاب قصب السكر.
صمود رغم الأهمال
وبين بأن البرج لم يعمل له ترميم من يوم تشييده، وبقي طوال الفترة الطويلة الماضية صامدا رغم الظروف المناخية كالرياح والأمطار وأيدي العابثين كذلك من خلال تشويه جدرانه بالكتابات كل ذلك جراء الإهمال الشديد. واستخداماته تمثلت في الحروب الماضية القبلية، وكانت الحراسة فيه ليلا ونهارا ومن ضمن حراس البرج سالم مرمري النقبي. مضيفا عن تمهيد الأجداد طريقا صخريا متعرجا للوصول إليه من أسفل الجبل حتى أعلاه، وله مدخل وبوابة للدخول مربوط بداخله حبل للنزول والصعود وليس سلم، حيث يرتفع عن سطح الجبل الذي شيد عليه مترين تقريبا مما يصعب الدخول إليه.
وأكد بن عبود النقبي بأن الترميم الحالي تم وفق جهود شخصية من قبل سليمان الكابوري بدافع حبه وحماسته لإبراز تاريخ المدينة، إلا أنه لم يجر ترميمه وفق أسس علمية سليمة تختص بها جهة معنية مختصة بإجراءات الترميم والصيانة كدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة على سبيل المثال.
ترميم 60
وأشار الكابوري إلى أن مشروع أعمال ترميم برج الرابي انطلق كفكرة في العام الماضي بناء على توجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بغرض تحويله إلى معلم سياحي بما يسهم في تعزيز البعد الحضاري والتاريخي للمنطقة، ويحقق تطلعات السائح المحلي والخارجي كذلك.
مشيرا إلى أنه تم الانتهاء من نسبة كبيرة من أعمال الترميم 60، وشملت تلك الأعمال إعادة الأجزاء المتساقطة وإعادة بناء السقف المتساقط وتزيينه بالألوان التي تعكس عمق العمارة الأصيلة فيه، إلى جانب توصيل خدمات الكهرباء والماء إليه. مضيفا بأنه تمت تهيئة الطريق المتعرج المؤدي إلى البرج بتنفيذ معبر خاص ومهيأ بأقصى درجات السلامة والأمان يقع خلف الجبال، يخدم الزوار الذين يتوافدون على الموقع، ما يشكل بالإضافة إلى أهميته التاريخية موقعا سياحيا مميزا بأجوائه العليلة وارتفاعه عن سطح الأرض، مما يساعد الزائر على مشاهدة جميع أرجاء مدينة خورفكان من هناك والتقاط صور تذكارية لا تنسى.
عدة مشكلات
وأضاف الكابوري: لقد واجه المشروع عدة مشكلات أهمها: تتعلق بإعادة تنظيمه من الناحية الهندسية، إلى جانب بعض المساحات العامة الموجودة إضافة إلى كيفية الوصول إليها، بحيث لا يوجد ثمة مسالك أو مسارات للسياح تقودهم مباشرة إليه، ومن هنا كان الهدف الأول هو تسهيل الوصول إليه.
ونوه الكابوري إلى أن مشروع الترميم لا يهدف إلى الحفاظ على الآثار فقط، بل يهدف للاستفادة من الموروث الثقافي للمدينة في مساعدة إنماء المدينة اقتصاديا واجتماعيا، من خلال جذب السياح والمواطنين وتأمين وسائل الراحة له والذي يتزايد نسب إقبالهم إليها في فترات الأعياد وعطل نهاية الأسبوع، مؤكدا أن التنمية لا تقوم فقط على السياحة بل تعتمد أيضا على السكان المحليين بهدف تحسين الحيز العام والمحيط، وتقع على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على المواقع المؤهلة والمرممة، وإدارة المواقع.
خورفكان - ناهد مبارك



