رسالة تقطر حزناً وألماً، وصبراً، تحمل من الواقع تفاصيل قد لا تصدق، والرسالة تقول: كأي أم في العالم فرحت جداً عندما طرق شاب باب بيتنا طالباً يد كريمتي للزواج لأنها سنة الحياة، فقد وجدت في ابنتي التي كبرت سريعاً مع مرور الأيام، واشتد عودها وأصبح قوامها ممشوقاً نظرات حب وإعجاب تجاه هذا الشاب الذي قال لي بعبارة صريحة انه يعيش أحلى قصة حب لها، ويريد أن تنتهي فصولها عند المأذون. وبعد أن تحرينا عنه سمعنا كل ما يطمئن عنه، وكل خير عن أخلاقه، وكان وضعه المادي جيداً ووظيفته محترمة جداً في إحدى الوزارات السيادية.

ولم يكن لدينا أي سبب يمنعنا من إتمام زواجها منه، وتمت مراسم حفل الزفاف وسط فرحة العروسين العارمة، وفرحتي اكتملت عندما رمقت في عيني ابنتي سعادة لا متناهية بزوجها، وبرغم حزني لفراقها إلا أنني شعرت بالطمأنينة لوجود مساحة من الحب بينهما. ومرت الأيام وأنجبت ابنتي ولداً وبنتاً، وكبرت مساحة الحب بينها وبين زوجها بعد أن أنجبا الأبناء، وكأي زوجين في العالم حدثت بينهما خلافات أسرية تافهة كالتي تحدث في أي بيت بسبب ظروف المعيشة وأعباء الحياة، وقد قتلها الشك وقتها لإحساسها بوجود أنثى أخرى في حياته، فقاومت بضراوة أي محاولة نسائية للتسلل إلى قلبه.

وراحت تلاحقه في كل مكان لدرجة أنه استاء منها وهددها بأنه سيتزوج عليها، ومع تشديد الرقابة من جانبها، واتساع هوة المشكلات بينهما دخل عليها ذات يوم بعد أن عادت الأمور لمجاريها ودون سابق إنذار وأخبرها ببرود أعصاب، بأنه سيتزوج عليها في نهاية الأسبوع، فاعتقدت أن الموضوع مجرد مزحة.

لكنه أكد لها حقيقة ما أبلغها به، وعليها ان تنتظر إلى آخر الأسبوع حتى تتأكد بنفسها، وأمضى يومه معها بشكل عادي جداً. وحادثتني ابنتي منزعجة بما أخبرها به وقالت: يبدو أنها مزحة غير لطيفة! وكأنها لا تريد أن تصدق ما سمعته، وعندما حان الموعد الذي أخبرها به، حزم حقائبه وارتدى بدلة العريس وأخبر زوجته بأنه سيقضي أقل من شهر العسل وسيعود إليها بعد أسبوعين وجاءه أصدقاؤه، وقد زينوا سيارته حتى يزفوه بها، فودع ابنتي وسط ذهولها.

وتمنى لها وقتاً سعيداً، وأخبرها بأن لها مطلق الحرية إن أرادت أن تقضي فترة غيابه في منزلي، وعندما انسابت دموعها بغزارة مما تراه حولها، قبلت يديه ورجته أن يتراجع عن قراره، فلم يرد عليها وتركها وهي تلطم خديها وتتحسر على ما أصابها، فظلت تصرخ طوال الليل بهستيريا، وامتنعت عن تناول الطعام والشراب حتى خارت قواها وهوت بلا حراك كجثة هامدة، فاستدعينا طبيباً على وجه السرعة ففحصها وأعطاها حقنة حتى تفيق من غيبوبتها، ففتحت عينيها، لكنها لم تنطق بكلمة واحدة، وأخبرنا الطبيب بأنها مصابة بحالة انهيار عصبي، وستصبح على ما يرام بعد قليل.

ولكن لم يحدث أي تقدم في صحتها، وساءت حالتها، وحتى بزوغ شمس اليوم التالي أصيبت بشلل تام، وأصبحت غير قادرة على الحركة نهائياً، فاصطحبناها إلى المستشفى بسرعة قصوى، وظن طبيبها المعالج بأنها تعرضت لحادث مروري، حيث وجد عظام الفقرات الصدرية قد انحنت بشكل كبير مما سبب لها ضيقاً في التنفس.

وأدى إلى التهاب أعصابها وجعلها غير قادرة على الحراك، فاقسمنا له بأنها لم تتعرض لأي حادث أو مكروه يمكن أن يؤدي إلى انحناء فقرات الصدر بالشكل الذي شاهدناه في الأشعة، فزاد استغرابه جداً وشك بأننا نخفي عنه أمراً بخصوص حادث تعرضت له، فروينا له القصة كاملة فقال لنا ان الإنسان عندما يصاب بهياج وانهيار عصبي كامل يمكن لجسده أن يقوم بأمور غير معروفة ولا مدروسة وأن مثل هذه الحالات نادرة جداً في العالم. وبعد أن عاد زوجها من شهر العسل وتذكر أن لديه زوجة وأبناء جاء لزيارتها، وعندما شاهدها أبدى تأثراً بحالتها الصحية الحرجة.

وظل يطببها شهراً كاملاً، ولكنه شعر بأنها عالة عليه، وبأنه يريد من يساعده بعد أن يعود من عمله، وليس من يقوم بالاعتناء به، فانصرف عنها إلى حياته الجديدة وأصبح لا يأتي إلا للاطمئنان على أبنائه، ويعطيهم مبلغاً من المال ثم يذهب إلى حال سبيله دون أن ينطق بكلمة واحدة، ودون شعور بالذنب تجاه زوجته وأم أولاده التي أحبته لدرجة العشق، وأخلصت له ولأبنائه، وعندما طالبناه بزيادة المبلغ الذي يتركه لهم لكي نعرضها على الأطباء، ادعى ضيق اليد.

ترى هل من السهل على الرجال التضحية بزوجاتهم، والانجراف وراء الزيجة الثانية طمعاً في ملذة زائلة أو آنية ناسين الحب الكبير الذي جمعهم بزوجاتهم فيضحون بهن عندما تلوح لهم في الأفق فريسة جديدة؟!

نعم.. وإني كأم أدرك كما قال لي الخيرون أن ابنتي وجدت السعادة في المعنويات على عكس زوجها الذي وجدها في الماديات، ولم يكن أي منهما ممن يوازن بين الماديات والمعنويات كما ينبغي للحياة أن تكون، لذلك حدث الخلاف فاتجه الزوج إلى إشباع حاجاته المادية من فتاة أخرى وجد فيها ما يسعى إلى إشباعه واتجهت ابنتي إلى إشباع معنوياتها بالحسرة على الحب الضائع، فضاعت هي.

لعل زوج ابنتي قد غفل عما يبعث الطمأنينة الحقيقية في النفس، فانجرف وراء أهوائه، واعتقد أن سعادته بزواجه الثاني سوف تزول مع أول عاصفة زوجية، وعندها سوف يعود إليها طالباً منها الصفح والعفو. لكن ابنتي المحبة لم تضع الأمور في حجمها الطبيعي، وأغرقت نفسها في الأحزان، ولم تدرك أنه لم يقدر حبها له وأنه لا يستحق أن تذرف عليه دمعة واحدة لكن هيهات مما جرى. وأما أنا فلا أملك لابنتي سوى التضرع إلى الله ليشفيها، وإني قد اتكلت بها عليه سبحانه، وإني ناظرة إليه وفاتحة كفي بإيمان واستبشار وأنا أرجوه بأن يحررها من كل خوف وحزن.

أيمن عبدالكريم ـ مصر