لا شك أن الضيق والحزن هما آفة العصر التي يتجرع كأسها كثير من الناس، وقليل هم الذين حصنوا أنفسهم ضد هذه الآفة التي غالبا ما تقلب موازين العقول وتشتت طمأنينة القلوب، حينما يستسلم المرء لهما.

لكن ما يغيب عنا جميعا هو أن الحياة مجموعة من الابتلاءات، الفقر ابتلاء والغنى أيضاً هو ابتلاء، والربح ابتلاء والخسارة ابتلاء، والصحة ابتلاء والمرض ابتلاء، وكل نعمة في باطنها ابتلاء وكل نقمة هي في ظاهرها ابتلاء. «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون».

والناس أمام هذه الابتلاءات فريقان فريق مستلم مهزوم ومخذول سرعان ما يقع فريسة لوساوس الشيطان التي تضيق عليه أفق الحياة، وتسد عليه نوافذ الإدراك فيحول السواد في نفسه إلى حقد وحسد على الآخرين وتمني زوال النعم.؟ وآخر يتجاوز الابتلاءات بالإيمان الذي يحصنه ضد الاستسلام، وباليقين الذي يجعله يربط الأسباب بالمسبب، الذي وحده بيده النفع المطلق والضرر المطلق، «إليه يرجع الأمر كله»، فلا ابتلاء يدوم ولا حزن يدوم ولا سعادة أو شقاء كذلك يدوم.

ومن هذا الفريق أناس أعلى منزلة بصفاء أرواحهم فيتجاوزون نفوسهم إلى غايات أسمى وأشرف لتتجلى أمامهم الحقائق وتتكشف لهم حكمة الابتلاءات فيرون أطياف النور في شدة الظلام وإن طال أمده، نور لا يدركه إلا من أراد الله له أن يدرك ويعرف بيقين لا تستحقه إلا هذه النفوس وتلك الأرواح التي تؤمن أن من اغتنى فإنما اغتنى بقدر الله ومن افتقر فإنما افتقر بقدر الله، وأَن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب «وأن مع العسرِ يسرا» فلا شيء يستحق الوقوف عنده من قشيم الدنيا وزينتها إلا ما كان فيه لله.

وكثير من المهمومين إنما همتهم الدنيا برغباتها وملذاتها، حينما بدأوا بأنفسهم واليها انتهوا، وكلا الفريقين لا شك انه يمهد بذلك لمصيره النهائي، حيث السعادة الحقيقية والشقاء الحقيقي، يدركهما حينما يرجع إلى ربه وبارئه.

محمد صلاح