قبل التفكير في تلك الزيارة كان لابد من تصفية هواء الذاكرة، وفتح شبابيكها وأبوابها، لاستقبال ضيوف الأحاديث التي قد نسمعها للمرة الأولى، أرواح قد تراءت لنا سابقاً، وأصوات جرت على صفحة مسامعنا منذ زمن، تلونت بمداد الحب والحنين، ورسمت أطياف أشخاص غائبين.. هم أبطال يلمعون في الذاكرة.

الحديث يدور في جلسة تلت درساً دينياً يتلقاه نزلاء استراحة الشواب في دبي، المقيمون منهم، ومن يأتون لتلقي العلاج، استغرق التعريف بالزوار وأهل البيت ثواني، اعترض بعدها سالم الصلاقي ؟ بدءاً على مسمى «خارجي»، فهو يعتبر نفسه من أهل البيت، مازحاً طلب سالم بضرورة دفع مبلغ من المال مقابل اقتحام الصحافة لخصوصية الجلسة وافتراش بساط الذكريات. بدأ الكلام عند سالم الصلاقي الذي أمسك بزمامه جيداً، مضيفاً لمساته المازحة ونبرة صوته المرحة على جلسة يتقاسم أصحابها لقمة الحديث، عمل سالم في العبرة في نقل الركاب من وإلى ضفتي خور دبي.. من بعد العبرة عمل في المراكب التي تسافر للكويت والبحرين، في نقل بضائع المسافرين .

ويقول «..ونأخذ هبات الريح».. أي المقسوم من الرزق.. ثم انتقل سالم للعمل على متن سفن الغوص في الخليج العربي.. والتي قصدت جزر ومغاصات منها «زركوه».. وتولى مساعدة الغواصين على ظهر السفينة، ويتوغل في تفاصيل أكثر قدماً: «كان والدي غواصاً.. ويستمر الغوص لأربعة أشهر متتالية.. وفي غيابه يترك لنا الوالد 5 روبيات، والتي كانت حينها تعادل حمولة مركب.. تصرف الوالدة علينا خلال غياب الوالد.. يعود بعدها محملاً بهدايا بسيطة كالوزار والفانيلة والقحفية، أي ما تُسمى الكسوة»، ويقتحم سالم مساحات خضراء من الذاكرة عندما يتحدث عن شقاوته.. و يسرق «الوزار» ويصنع منه شراعاً للجالبوت الذي يتسابق على متنه مع أبناء الفريج..

حيث كانت تكلفة بنائه قديماً نصف روبية، ويسترسل «كل يوم ضرابه ويا الوالده.. والجدة في صراع دائم معها للدفاع عني»، ويستحضر ذلك الموقف المثل القائل ما أغلى عند الولد إلا ولد الولد.. والذي يدركه سالم اليوم جيداً بعد أن أصبح أباً وجداً.

جلب سالم «صوغة» لا ينساها من رحلة الغوص، كانت «نجم البحر» أو ما سماه سالم «يمل عوعو» الذي أدخل السرور لقلوب الصغار، وكونوا منها أشكالاً للدمى تلعب بها البنات.. وغيرها من المحار والقواقع.. التي انحسرت اليوم وحلت محلها الألعاب الإلكترونية. واستمر سالم في رحلات الغوص لمدة سنتين.. ثم ارتحل فيما بعد إلى دولة قطر واشتغل في صيد السمك لقرابة العام، في مراكب عائلة الذوادي بين قطر والبحرين.

واستحضر سالم كذلك صورةً من صور التكافل الاجتماعي قديماً، عندما ذهبت البنات للدراسة عند المطوعة، وكانت كل منهن تجلب معها ما تيسّر من فاكهة أو خضرة أو مواد غذائية، وفي كل أسبوع تأتي إحداهن بالأرز مثلاً..

وأخرى بالليمون وأخرى بالبصل. وعن ذكرياته الدراسية يتذكر سالم شقاوته التي كانت تؤدي إلى ضربه من قبل المطوع، والسبب تهاونه في تسليم الخميسية، وهي مبلغ من المال يُعطى للمطوع عند نهاية كل أسبوع قيمتها أربع أنات.. يقول سالم «أنا لين أوصل المدرسة.. 12 شيطان يلعب ويايه ..» فهو لا يتوانى عن صرفها في اللعب، وبمجرد وصوله إلى المطوع يتلقى سالم جرعته من العقاب أمام زملائه على لوح من الخشب..

الغوص في الصبا

ثاني بخيت، ذهب في رحلات الغوص في الصبا، وعندما كبر رافق الغواصين في رحلاتهم، وعاصر بعدها أحوال البلد التي تبدلت إلى الأفضل، ويؤكد أنه لا يزال قادراً على الغوص الذي شكل مصدراً أساسياً للتكسب والرزق، وسكن ثاني في منطقة الخان، ثم انتقل إلى دبي.. وفي مراحل لاحقة من حياته سافر ثاني إلى السعودية للعمل وثم إلى البحرين، ثاني يؤكد أن الحياة اليوم مرفهة، وقديماً كانت الحياة متعبة.. تتطلب الكثير من العمل. بينما يقاطعه سالم مؤكداً «أول أحسن.. ما تسمع كلمة مب زينه.. من هلك..

والكل يحترمك.. والأخ يوصل أخوه». واتفق الجميع على التواصل الذي ساد قديماً جعل الحياة أجمل بالأبناء والتحامهم بالجذور.. وكما شقاوته في الصغر يشكو سالم شقاوة ابنته التي تُبكيه ببكائها بعد نوبات التوبيخ اليومية، فالأبناء منطقة تتسع لتشمل أحاسيس متناقضة كالغضب والفرح والخوف.. بينما تبقى التربية أساساً تنمو على أعتابه شجرة الرحمة التي تؤتي ثمارها ولو بعد حين، فثاني يحمد الله على 6 بنات ملأن حياته بالبر والتواصل والنجاح الدراسي، متمنياً لهن حياةً سعيدة.

صمت حزين

إسماعيل مبارك ينطق أخيراً بعد محاولات عدة لسماع رأيه.. ويقول إن بنت اليوم لا تسأل عن أبيها.. مخبئاً في صوته أسراباً من الطيور الحزينة، فالصمت الذي دام طويلاً أسفر عن انكسار سببه الأبناء الذين تتقد ذكراهم كل يوم .. بعد علو الأحاديث الجانبية.. يقول إسماعيل.. «أنا عندي بنت اسمها أمل» ..« الله يخليها لك يا الوالد».. «الله يرحمها.. بنتي ماتت هي واثنين من إخوانها»..

اشتغل إسماعيل صغيراً في العبرة، وسافر على متن المراكب التجارية إلى الهند وسواحل إفريقيا مثل زنجبار، لتحميل البضائع، وتراوحت مدة تلك الرحلات من شهرين إلى ستة، وجلب المسافرون على متن تلك المراكب من الهند توابل للطعام وأقمشة وعطور، ورحل إسماعيل أيضاً إلى سواحل اليمن، وزار عدن وصنعاء مبدياً إعجابه بهما، واستمر عمل اسماعيل في المراكب ما يزيد على السنة.

غلام محمد ؟ بوعبدالله - عمل في مهن منزلية متعددة في دبي، وسافر في مراكب متجهة إلى الكويت وقطر والبحرين برفقة العائلات المتجهة إلى هناك بهدف العمل، وتأمين مصادر أخرى للعيش.

صالح بن خادم.. ينصت لحديث الجالسين وانفعالاته تعلو وجهه فرحاً، فلا تسمح له حالته الصحية بالحديث المتواصل، صالح عمل مزارعاً، امتلك مزرعةً جادت بأصناف الفواكه والخضار كالرمان واللوز والورقيات.. ويمضي اليوم وقته في الاستراحة بين زملائه بهدوء.

محمد البشري يستعيد ذكريات 38 عاماً في المعهد الديني

محمد عبدالرحمن البشري كان أحد أبرز أقطاب الجلسة، ذاكرته الحية لا يُمكن أن تُغفل خبراته المتراكمة كأحد من عملوا في حقل التعليم منذ بدايات التعليم النظامي بدبي، عمل محمد مراسلاً في المعهد الديني، في خمسينيات القرن الماضي، كما انخرط في تدريس تلاميذ الصف الأول الابتدائي..

حيث حصّل البشري تعليمه في دولة الكويت بمدرسة النجاح التي تتربع على قائمة الذكريات لديه ويذكر أن العديد من أعيان البلد وكبارها تلقوا تعليمهم النظامي في الكويت، بينما انتشر في الدولة تعليم الكتاتيب، تلا ذلك افتتاح المعهد الديني الذي تم تزويده بالمنهاج الكويتي، والمدرسين من مختلف دول المنطفة المجاورة، ويحفظ البشري من عملوا في حقل التدريس آنذاك عن ظهر قلب أمثال بن بادي وبن ظبوي والشيباني.

ويتذكر محمد تفاصيل تجربته في المعهد الديني، والرخاء الذي صاحب تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم، حيث تم توفير وجبات التغذية المجانية للطلاب ومختلف أنواع الأطعمة، واستمر على رأس عمله في المعهد الديني لمدة 38 عاماً، ولا يزال البشري يحفظ من توالوا على إدارة المعهد الديني حتى اليوم، مؤكداً إخلاصه وتفانيه بالاستمرار في خدمة العلم، إلى أن حال المرض بينه وبين الوظيفة الذي لايزال يتحدث عنها بشغف اليوم الأول.

وأصيب البشري بجلطة يعاني من آثارها إلى الوقت الراهن. يُراجع البشري في استراحة الشواب 3 مرات أسبوعياً لتلقي العلاج الطبيعي.. وجرعات أخرى من اللقاءات بزملائه من النزلاء والانخراط في أنشطة المركز الاجتماعية والتعليمية.

للشعر مكانة خاصة في قلوب الشواب.. وذكرى جليسهم المري الذي غاب عن الجلسة لأسباب مرضية استأثرت بالحديث، فهو شاعر الجلسة بامتياز.

وبين حديث الذكريات وأحداث الحياة التي تقاطعت بهم إلى هذا المكان، كان الشعر موعداً تعاهدنا عليه قبل الانصراف، لنسمعه في جلسات أخرى، تُفتح على مائدتها الذكريات والقلوب، وتُكتب بمداد الحنين للأبناء.. وحب الوطن.. وزمن كان لا يُعوض بثمن.

فعاليات اجتماعية وثقافية لنزلاء الاستراحة

تنظم استراحة الشواب في دبي برامج اجتماعية وتثقيفية لنزلائها من المرضى، والبالغ عددهم 25 نزيلاً، 10 من الإناث و15 من الذكور إلى جانب مرضى خارجيين يترددون على المركز الطبي بالاستراحة لتلقي العلاج، وتحرص إدارة الاستراحة بحسب الباحثة الاجتماعية منى العوضي على تنظيم جدول أسبوعي للنزلاء يتضمن أنشطة ترفيهية واجتماعية وتحظى الاستراحة بزيارات الدعم ومد جسور التواصل والتكافل الاجتماعي من مختلف الدوائر الحكومية والمؤسسات في الدولة مثل محاكم ونيابة دبي ونادي دبي للسيدات وبنك دبي الإسلامي ومؤسسة الأوقاف وشؤون القصر وعدد من مؤسسات القطاع الخاص، كما يحرص القائمون على تنظيم الفعاليات على إحاطة النزلاء بفرحة الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية ضمن احتفاليات خاصة.

وتتضمن الأنشطة ندوات ومحاضرات دينية وجلسات نقاش نفسية مع مختصين من هيئة الصحة بدبي، بالإضافة إلى رحلات خارجية ينظمها المركز بالتعاون مع مختلف الجهات مثل الحدائق والمتنزهات، كما حرصت الاستراحة على اصطحاب النزلاء ممن يتمتعون بصحة جيدة لأداء مناسك العمرة.

أمل الفلاسي