«ثالاموس» عرض مسرحي راقص قُدّم أخيراً في صالة الحمراء بالعاصمة السورية دمشق من تصميم وأداء إياس المقداد ومثقال الزغير، وحسب ما هو وارد في نشرة العرض فإن ثالاموس هي منطقة دماغية رمادية اللون، تتألف من جزئين متناظرين يعملان على استقبال المعلومات الحسية وإرسال ردود الفعل، ومنذ تلك اللحظة كان على المتلقي أن يتهيأ للمضي مع فريق العمل في رحلة إلى مجاهل العقل.

اعتمدت المشاهد المسرحية على لغة الجسد بالكامل، لكنها انطلقت من أسس الدراما لبناء جمل حركية وإشارات دلالية غايتها الوصول إلى حالة تصاعدية من الصراع، أرضها النفس البشرية، وأبطالها الرغبة الفطرية من جهة، والموانع المكتسبة من الجهة الأخرى، فنحن نستقبل العالم الخارجي بحواسنا، وحواسنا هي التي تصوغ رغباتنا ودوافعنا واستعداداتنا الأولية.

وهي عملية غالبا ما تصطدم بمنظومة من الكوابح الفكرية التي غرستها التنشئة الاجتماعية في دواخلنا، أو بمعنى آخر إنها النزاعات الضمنية التي نخوضها باستمرار لاختيار رد الفعل المناسب، وهي آلية عمل طبيعية قد تتخذ شكلاً تدميرياً، يكون عاملاً أساسياً من عوامل الإحباط والموت البطيء، وقد تتحوّل إلى محرّض ومحرّك رئيسي لكل مسوّغات النهوض والتغيير في حياتنا.

وفي هذا السياق العام لفكرة العرض جاء التصميم الحركي عموما على شكل ثنائية تقابلية من الفعل ونقيضه، مع وجود القليل من اللوحات الإفرادية، وقد ركّزت الجمل الحركية على إبراز سلوك المد والجزر، التقدم والتراجع، الرغبة في تحطيم القيود والجدران المغلقة ومن ثمة الانهيار أمام وطأة الأوامر والنواهي الذهنية التي تحدّ من مسار الأنا ودائرة الاختيار.

وفي هذه المنطقة المحتدمة بالصراع، اتخذ مثقال دور الرغبة والحلم، بينما تقمّص إياس صورة الأنا الجازرة، الوصيّة على تطبيق السائد الاجتماعي، ومع أنه كان للرغبة انتصاراتها اللحظية العابرة، غير أن الغلبة كانت دوما لصالح الوصايا، لتغدو الحرية الفردية، فكرية كانت أم جسدية، في نهاية المطاف قربانا يُقدّم على مذبح الثابت من الأعراف والتقاليد والتابوهات.

وفي هذه الحدود كان للفضاء المسرحي الذي صمّمه زكريا الطيان بعده الجمالي المميز، وأثره الكبير في إبراز فكرة الصراع الداخلي، التي هيمنت على مفاصل العرض، وكان قوام التصميم هو التصادم الحاد بين مساحات الظلام والنور، فالفضاء الكلي الغارق بالعتمة كان يُضاء فقط في أماكن الحركة بكشافات موضوعة على أرضية الخشبة أو وسط الخلفية، وموزعة في زوايا كانت غايتها تشكيل مخروط ضوئي يشق الظلام في البداية، ثم لا يلبث أن يغرق ثانية فيه، وكأنها الإشارة إلى الدروب المسدودة، والضياع في تيه النداءات الغامضة.

وكان للموسيقى أيضاً أثرها في إنماء وإغناء الحالة المقترحة، فالعرض بدأ بمشاهد صامتة، ثم بدأ الإيقاع يتسرب حاملاً معه شحنة من التوتر الداخلي، كانت تتصاعد مع احتدام حدّة الصراع، وكانت الخلفية الموسيقية من إعداد سيمون مريش عن مقطوعات لهنريك مونش.

ومع الحركة الانسيابية الرشيقة لكل من الراقصين، والتوظيف الجميل لتشكيلات الضوء والإيقاع، استطاع «ثالاموس» على مدار خمس وأربعين دقيقة أن يرسم حالة وجودية متكاملة ومتناغمة، بدءا من العنوان وحتى الخاتمة، حالة تراجيدية بطلها الحلم، وعدوها الكبت، وغايتها تحرير النفس من كل أشكال الاستلاب الفكري التي تجعل من الكائن خصما لفطرته الأولى في زمنه القصير على هذه الأرض.

إضاءة

أوضح الكتيب الذي تم توزيعه على الحضور بأن «ثالاموس» هي منطقة دماغية رمادية اللون، تتألف من جزئين متناظرين يعملان على استقبال المعلومات الحسية وإرسال ردود الفعل.

دمشق ـ تهامة الجندي