استقراء واقع المجتمع وحاجياته أمر أساسي لنجاح وتطوير المجتمعات، وإشراك جميع فئات وأطياف المجتمع في عملية البناء والتطوير يكفل تحقيق أفضل النتائج على صعيد الفرد والمجتمع. وفتاة الإمارات لم تكن يوماً ما بعيدة عن ميدان العمل المجتمعي وخوض غماره ومكابدة مشاقه وصعوباته والإدلاء بدلوها في عملية البناء الحضاري ليقينها أن وقوفها إلى جانب الرجل جنباً إلى جنب يساعد على ازدهار المجتمع ومتانة بنائه.
ومن هذا المنطلق انطلقت العديد من الأفكار الرائدة من المشاريع والمبادرات في إمارة رأس الخيمة بقيادة حكيمة من صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم رأس الخيمة، ومتابعة حثيثة من ولي عهده ونائبه سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، الذي تبنى العديد من هذه الأفكار ليس آخرها مشروع توطين مكاتب الطباعة في دوائر رأس الخيمة بأنامل رقيقة من الفتيات الطامحات لكسر حلقة البطالة المفرغة.وإنجاح وإنجاز مشروع توطين مكاتب الطباعة لم يأت وليد اللحظة، بل كان نتاج عمل متواصل وتعاون وتكاتف بناء ابتكر فكرته سمو ولي عهد الإمارة وأشرف على إخراجه للنور بتأهيل الكوادر الوطنية من فئات المواطنات العاطلات عن العمل عدد من الدوائر على رأسها دائرة التنمية الاقتصادية التي استقرأت احتياجات هذه الوظيفة وقامت على أساسها بتأهيل وتزويد المرشحات بعدد من الدورات في الطباعة والإدارة.
وبين حمد ارحمة الشامسي نائب مدير دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة، أن الهدف الأساسي من المشروع كان إيجاد حل لمشكلة البطالة للعديد من المواطنات المتواجدات في الإمارة، عن طريق مشروع لا يوظفهن فحسب بل ويدعم مقدراتهن الكامنة في الإدارة ويعلمهن الاعتماد على أنفسهن، ليكونوا البذرة الأولى التي تنطلق بحرية وتكسب رزقها من خلال عملها وقدراتها الخاصة، وينطلق المشروع ليعمم وليكون في الجنسية والإقامة والمرور والعمل والعمال والمحاكم. وأضاف الشامسي أن الدائرة بتوجيهات من سمو ولي العهد ومتابعته الشخصية بل ومبادراته الخاصة المادية والمعنوية للموظفات، قامت بدعم المواطنات وتسخير عدد من الأمور لهن كإعفائهن من الترخيص لمدة ثلاث سنوات، وتزويد المكاتب باحتياجاتها المختلفة من أثاث مكتبي وأجهزة كهربائية وشبكة انترنت، والأهم من كل هذا دعم العمل بقرارات تزيد من دخلهن كقرار حصر انجاز المعاملات في الدوائر على المكاتب الخاصة بالمواطنات وذلك تعزيزا لأرباحهن وجهودهن.
حياة جديدة: وأكدت سليمة عوض إحدى الموظفات العاملات في مكاتب الطباعة أن تجربة العمل في مكاتب الطباعة شكلت بالنسبة لها فرصة لحياة جديدة بعد فترة قضتها بين الوظائف غير المجدية والجلوس في المنزل من غير عمل، ومع شح الوظائف في الإمارة وعدم امتلاكها لمؤهل علمي جامعي كان الحصول على وظيفة مرضية حلما تحقق من خلال مشروع توطين المكاتب.وتشير سليمة أن قيادتها وإدارتها مع زميلاتها لمكتب إداري بكل مكوناته، ووقوفها على أدق التفاصيل من حيث التعامل مع الجمهور المختلف، وإصلاح أجهزة المكتب الطباعية والكهربائية، ودفع الفواتير بعد أن يتم رسم خريطة وجدول بالمصاريف والاحتياجات والإيجار وغيره الكثير قد ساهم فعلا في خلق إنسانة جديدة أكثر قدرة على التعامل مع المشاكل والمصاعب.
وأضافت أن الموظفات في المكاتب يقمن بالتنسيق الدائم بينهن لتطوير خدماتهن في جو من التنافس الشريف، ففي حالة تواجد ازدحام لدى أحد المكاتب نقوم بتخيير العميل بين الانتظار أو الذهاب لمكتب آخر، وهذا أمر لم يكن متواجدا في المكاتب السابقة، كما أن الموظفات قد اجتمعن أكثر من مرة لمناقشة ورفع طلباتهن المختلفة في حالة تواجد سوء تنسيق مع الدائرة التي يتم التعامل معها، ومناقشة المسئولين وبناء عليه تم تسهيل العديد من العثرات.
واتفقت آمنة من مكتب الأبجدية مع سليمة في أثر العمل بمكاتب الطباعة، مشيرة إلى أن الأمر يتطلب استحضار صفات جديدة في الشخصية كالصبر وطول البال والدبلوماسية تارة والحزم تارة أخرى، خاصة وأن المتعاملين في الدوائر التي تم فتح مشروع الطباعة بالقرب منها كالجنسية والإقامة والمرور، يأتون من مختلف الجنسيات ويحملون كل أشكال الطباع الحسنة والسيئة، إضافة إلى اختلاف اللغات.
وبينت هنادي محمد موظفة في أحد مكاتب الطباعة أن نظرة المجتمع في البداية، قد استهجنت تواجد المواطنات في المكاتب خاصة وأن أغلب المتعاملين من الرجال بل ومن الجنسيات المختلفة، إلا أن إصرار الفتيات ودعم الحكومة قد ساهم في أن تثبت الفتيات قدرتهن على التعامل مع هذه الفئات بل وتطوير الخدمة وإيجاد عناصر مريحة للعميل لم تكن متواجدة سابقا كالبيئة النظيفة واللباقة في التعامل في إطار سعينا لتحققي الجودة المختلفة في خدماتنا.
طموحات كبيرة
وأكدت آمنة أن القدرات الإدارية التي اكتسبتها من خلال العمل في مكاتب الطباعة في التنسيق والتنظيم والإدارة، مع الصفات الشخصية من قوة الشخصية والقدرة على ضبط المتعاملين والثقة بالنفس التي ولدتها هذه الأمور كل هذا ولد طموحاً إضافياً وثقة بقدرتي على إدارة المشروع بل وتطويره وتوسيعه بل وفتح مشاريع جديدة تحقق الفائدة المادية والمعنوية لي مع فائدتها للمجتمع.
وعن كيفية التوسع والأفكار التي يمكن أن تدعم هذا الأمر ذكرت جميلة محمد أنها تتمنى أن يتم التوسع في الخدمات التي يقدمنها ما سيؤثر في طريقة الخدمة وسرعتها كإنجاز المعاملات للمتعاملين وزيادة عدد المعاملات التي يتم إنجازها، وقالت: «هذا الأمر يتطلب تعاونا إضافيا مع المؤسسات التي نتعامل عبرها من خلال فهم العمل والإحاطة بالقوانين أولاً بأول».
تجربة رائدة
وشجع الرائد محمد الشحي مدير فرع الذاتية في إدارة الجنسية والإقامة في رأس الخيمة باقي الدوائر أن تحذو حذوها في المشروع، الذي أثبتت الأيام جدواه ومدى القدرات الكبيرة التي تمتلكها ابنة الإمارات لتحقيق النجاح بل ودعم مسيرة التنمية والتطور في دولتها، مؤكدا أن العديد من التفتيشات المفاجئة والمراقبة لسير عمل المكاتب قد قامت بها الإدارة لقياس مدى تطور اداء الموظفات، وكانت النتائج مرضية ومطمئنة لأداء المجموعة.
وأشار أنهم منذ ان تلقوا فكرة المشروع قاموا برسم خطة بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية، وعليه تم اختيار الموظفات وعمل دورة تدريبية لهم في الإدارة العامة للجنسية والإقامة، استهدفت تعريفهن بالقوانين المعمول بها وطبيعة المعاملات وطريقة انجازها، وكانت المجموعة الأولى هي النواة التي تولت فيما بعد تدريب المستجدات من الموظفات اللواتي يزدن عاما بعد عام.
رأس الخيمة - رباب جبارة



