تدخل وهي تحمل فنجانا من القهوة فيروزي اللون مذهب الأطراف ومزخرف بزخارف مختلفة تحسبه قلادة. وفي زاوية الغرفة يجلس «العراف» «وهو من دلتها عليه إحدى جاراتها».

نظرات عينيه ذات الحواجب المقطبة تجول في كل زاوية يحاول أن يجمع شتات الأمور لعله يعرف شيئاً قبل أن يبدأ ويسبح في سبحته التي ينقلها بكلتا يديه ذات اليمين وذات الشمال.

«يخيم الصمت على المكان لا تسمع سوى الأنفاس وطرق حبات المسبحة الواحدة تلوى الأخرى». يقطع الصمت بصوت خافت قائلاً: يجب أن تشربي الفنجان بكل كيانك، مع التركيز في المواضيع التي تهمك؟

فسارعت هامسة لكن تحدث فنجانها اشرب قهوتك يا فنجاني بكل كياني فتذكر وأنت مقلوب أنفاسي. وهمساتي. إليك متمنية أن يكتب فيك مكنوناتي الداخلية وما يختبئه زماني ومكاني في حاضري ومستقبلي لتأخذني معك في رحلة ليست مثل كل الرحلات ليتبحر روحي في أرضك وسمائك وأمواج بحرك ولنرى فيها لكتابك المفتوح دون هامش وسطور ولا أرقام لصفحات كتابك المقلوبة ولا فصول.

يأخذ العراف منها الفنجان بعد أن جفت حبيبات القهوة التي فيه يبصر في الفنجان مردداً الله الرحمن الرحيم ثم ينظر فيه ويهلل الله ياسيدتي فنجانك مبارك والله كأنه كتاب مفتوح مكتوب فيه كلمة مقدسة أنظري ياسيدتي ويشير بسبابته في هذه الزاوية ويضيف هنالك أيضاً طريق مفتوح لذلك التقاطعات الطبيعية؟

ويرن جرس الهاتف. تعتذر السيدة لترد فتقول للمتحدثة: لا بتوتر، أنا مشغولة الآن في قراءة بعض الأوراق القديمة والتي بعثرها زماني هنا وهناك.. سأتصل فيما بعد.

ترجع السيدة مستدركة!؟ آخر كلمة قلتها لي بأن هناك «تشير إلى الفنجان» تقاطعات طبيعية؟! مثل ماذا «وفيق ومين اللي عمل هذه التقاطعات» ألا يكفي ما أنا فيه من هموم..؟! وتضيف هل ترى في هذا التقاطع رجل واقف ينتظر.

يقول لا يا سيدتي هذا ليس رجلا هذه إشارة المرور. تنتظر عبورك من هذه المرحلة فأنت متعبة الان ولكن طريقك معبدة وسوف تصلين إلى ما تريدين ولو بعد حين لأنه ينتظرك خبر قريب بعد إشارتين أو ثلاث وسيكشف هذا الخبر بالعين المجردة.

تقاطعه السيدة: هذا الخبر أكيد من ابني المسافر دون أن يترك لي عنوانا؟!

يسألها العراف: منذ متى وهو مسافر؟

لا أريد أن أذكر سنين غيابه لئلا يحرج قلبي.

هل هو في بلاد عربية؟

هذا ما قاله لي.. ولكن خلال كتاباته في إحدى رسائله لا يبدو وكذلك فقد قال لي أنه يعاني من مسألة اللغة؟!.. فهل لهذا علاقة؟ وماذا يعني ذلك.. فليحمه الله..

يستطرد العراف متابعاً قراءته بعد صمت وتفكير وتحليل فيما سمع من السيدة.

إنظري إلى تلك السماء ذات الغيوم الملبدة

خير ان شاء الله .. خير

هي هموم ستزول عن ظهر قلبك وتشكل طيرا يشبه النسر الأسطوري ذلك النسر هو القوة التي ستنتقل بك من حال إلى حال. وهذه المرأة الرأسية في قطاع الفنجان هي أنت؟! تمدين يديك لتطولي رجليّ النسر وكأنك تقومين من أمر صعب تجرين وراءك مجموعة من الأوراق من بينها ورقة تقويم يوجد فيها رقمان هما وحسب تقديري 9/1 فهل يعنيان لك شيئاً؟!

السيدة: آه.. ثم آه ويح قلبي تذكرت.. هذا تاريخ يوم سفر ولدي لقد أعطاني هذه الورقة قبل أن يغادر وقال أنه لن يتأخر عليَّ.. بس لو تعلم كم أنا مشتاقة إليه».. ليته يتصل بي «وتبكي بحرقة الشوق» ويسألها العراق: ألديك غيره من الأولاد؟

نعم خمسة في عيون الشيطان أربع بنات وصبيان كل واحد منهم في مكان».

لقد بقيت وحيدة أعاني قهر الوحدة والانتظار أتعرف شيئاً: كثير من الأحيان أشعر وكأنني لم أخلفّ في حياتي وهذا الشعور يعزيني في وحدتي.. تصور أنني أخاف من الليل..؟! انتظر النهار وأخاف..

ويأتي الليل وأخاف.. وهكذا أقضي معظم وقتي متقلبة في سريري ذات اليمين وذات الشمال.. يقطع الحديث عليها وينظر إلى المشجب: كيف تقولين أنك وحيدة وهناك بعض الثياب المعلقة؟!

تبكي بحركة وبصوت متقطع تقول: انها ثياب الأولاد كما وضعوها قبل الرحيل فهي بصيص أمل للعودة.. يتابع الحديث وهو ينظر للفنجان تصوري ياسيدتي لديك مساحة من البيض وهي فال خير.. وهناك طريق واضح المعالم بوجديه عربة مزدانة بحبال ذات أوراق ملون مكتوم عليها عبارات دينية لا إله الا الله..

تكمل السيدة محمداً رسول الله وتمسح عينها من الدموع بيديها التي اتعبهما الزمان تقول أكيد هذا الطريق الذي عاهدني بها ولدي بأنه بمجرد أن يرزقه الله سوف يأخذني لزيارة الكعبة المشرفة.

«تحمد الله وتدعو لولدها بالتوفيق» يقطع عليها ويقول: ثقي يا سيدتي أن هذا سيتم؟! ترتسم الابتسامة مليئة بالنور في وجهها وتقول: إذا تم هذا لك مني هدية قيمة «سأدعو الله بالتوفيق ما حييت.. «يرن جرس الهاتف» فتسرع بالإجابة وتصرخ بصوت مليء بالفرح والحزن.. تخونها العبارات.. انه.. انه ولدي نعم ولدي.. نعم يا حبيبي أنتظر سماع صوتك بفارغ الصبر.. لا .. لا أريد شيئا منك سوى أن تكون وأخوك بخير.. الحمد الله.. الحمد لله نحن بخير يا بني..

نعم حقيبتي جاهزة وجواز السفر جاهز على «حطة أيدك» انتظرك يا ولدي لتأتي وتصطحبني معك.. حفظك الله.. الله معك.. تبتسم ابتسامة العودة بعد السفر.

يقُلبِّ الفنجان في كل الاتجاهات.. ابصمي يا سيدتي، ولتجعلي نيتك في صدرك .. يناولها الفنجان وتتنفس الصعداء بعمق الانتظار والأمل.

يأخذ الفنجان ويقرأ ويقول لها انظري يا سيدتي هل تستطيعين القراءة في هذه الفسحة البيضاء ماذا يوجد تحاول تهجئته المكتوب تقرأ «الصبر مفتاح الفرج».

محمد عمار ـ حلب