مريم حمد ساعد أو «أم جمال» كما يطلقون عليها امرأة من زمن الماضي الجميل بأصالته وعراقته وذكرياته المفعمة بالحنين، لا تعرف سنها الحقيقي ولا في أي عام ولدت، لكنها تعرف جيدا أنها عاشت طويلا في عصر الإمكانات المحدودة وضيق اليد وقلة الحيلة وشح الرزق.

وعاشت أكثر في عصر الخير والوفرة المادية والتقدم التكنولوجي، ورغم عدم حاجتها للمال إلا أنها ترى في عملها شيئاً ضروريا ومثمرا، ورغم أنها أجادت جميع الحرف البيئية القديمة من صناعة السدو والخوص والتلي، بل وأيضا طهي الطعام الشعبي إلا أنها الآن تفضل العمل في قسم الخياطة في مركز الصناعات البيئية واليدوية في الإتحاد النسائي الذي يتناسب مع طبيعتها العمرية.تقول مريم: «تعلمت كافة الأشغال اليدوية في طفولتي على يد أمي وجدتي، فتعلمت عمل «التلي» وهو شريط مزركش بخيوط ملونة، أو خيوط فضية متداخلة بعضها في بعض وتستخدم« الكجوجة» في عمل التلي.

حيث أنها الأداة الرئيسية للتطريز، وتتكون من قاعدة معدنية على شكل قمعين ملتصقين من الرأس وبها حلقتان على إحدى القواعد لتثبيت وسادة دائرية تلف عليها خيوط الذهب والفضة للقيام بعملية التطريز للأثواب والسراويل.كذلك تعلمت صناعة الخوص والذي كان في الماضي من أهم الحرف لارتباطه بسعف النخيل والتي كانت تؤمن للمنزل جميع احتياجاته من السلال والحصر والسرود «السفره» والمهفات التي تستخدم للتهوية، و«المشبات» التي تستخدم لإشعال النار، وأغطية الطعام «المكبات» وغيرها كأسرّة الأطفال وسجاجيد الصلاة، حيث يجمع سعف النخيل ويصبغ بألوان زاهية، وبعد أن يجف يتم وضعه في الماء ليكون لينا، ثم تجديله بأشكال وأحجام عديدة وبألوان مختلفة ليصنع منه أدوات حسب الرغبة والاحتياج.

وتضيف: «تعلمت صناعة السدو والتي تعد من أهم الحرف اليدوية التي كانت منتشرة في الإمارات قديما، حيث تمر بعدة مراحل تبدأ بتجميع الصوف من الخراف والجمال، ثم غزله بالمغزل اليدوي وتشكليه على هيئة خيوط وبكرات مدورة يتم صبغها بألوان مستوحاة من البيئة مثل الأصفر والبرتقالي والأصفر، وكنا في الماضي نقوم بغزل الصوف بمغزل يدوي أما ألان يأتينا الصوف على هيئة بكرات جاهزة تم تصنيعها في مصانع خاصة بأدوات حديثة،ونقوم نحن بصناعة النسيج على أنوال خاصة لنصنع ما يستخدم في بيت الشعر والسجاد وعمل حواجز الخيمة وأسرجة الجمال، والمساند».

تراث الأجداد

وتؤكد أم جمال أن تلك الحرف التراثية هي جزء من تراث الأجداد الذي نتمسك به ونحافظ عليه من الاندثار، وهو يتطلب صبرا لأنه عمل شاق ويحتاج إلى مجهود ودقة في العمل، وهذا ما لا يمكن أن تفعله بنت اليوم التي تذهب لتلقي العلم وتتخرج من الجامعة وتعمل، فلا وقت لديها لتعلم تلك الحرف وإذا توفر لديها الوقت فهي لن تتعب نفسها في مثل هذا النوع من الصناعات الشاقة والصعبة عليها، فتلك الحرف لا تقدر عليها إلا نساء الماضي اللواتي تعلمن الصبر والقناعة والرضي بما موجود ومتاح لديهن، وكن يشتغلن في تلك الحرف كنوع من الاكتفاء الذاتي لما يحتاجه البيت، وأيضا للمساهمة في الدخل المادي للأسرة حيث كانت تبيع المرأة ما كانت تصنعه في الأسواق أو للعائلات الأخرى، أي أنه كان وسيلة أيضا للرزق.

واحترفت أم جمال طهي الأكلات الشعبية، حيث تمتاز الإمارات بالعديد من الأكلات الخاصة بالأفراح أو المناسبات الخاصة، وتقول: «لدينا ما يؤكل في الصباح ويختلف تماما عما نأكله في المساء، وهناك وجبة رئيسية يدخل فيها الأرز، وأكلات للتحلية يمكن أن تؤكل في أي وقت».

أشهر الأكلات الشعبية

وتذكر أم جمال أن أشهر أكلاتنا الشعبية «الهريس» وتتكون من اللحم والقمح والماء، و«المجبوس» وهو من اللحم والأرز والبزار، و«القوزي» وهو الخروف المحشي ويقدم في الأعياد والمناسبات، و«الثريد» وهو خبز ومرق ولحم وخضار، وهناك أنواع عديدة من الحلوى مثل «الخبيص» وهو من الدقيق المقلي في الدهن وسكر وماء وزعفران، و«المحمر في الدبس» وهو عبارة عن أرز مطبوخ مع الدبس في الماء حتى يصير لونه احمرا،و«البثيث» وهو دقيق محمر على النار بالسمن والتمر، والبلاليط وهو نوع من الشعيريه تصنع بالسكر والبيض.

والآن وبعد أن كبرت أم جمال تقول: «أكتفي بالعمل في مشغل التطريز والخياطة حيث أستخدم بعض التصاميم من البيئة على قطع مختلفة الأحجام والألوان من خلال استخدام ماكينات حديثة متخصصة لذلك ومن بين المطرزات أطقم للمواليد، والشراشف، وأغطية الأسرة، وجلاليب، ومفارش وغيرها.

ورغم كبر سني إلا أنني أرفض أن أجلس في البيت دون عمل، فقد كبر اولادي وتزوج بعضهم ولدي فراغ كبير لذلك أرى أنه من المناسب أن اقضي وقتي فيما يفيدني ويفيد الآخرين أيضا وتعود أم جمال بذاكرتها الى أيام طفولتها قائلة: «لا أعرف عمري الحقيقي ولا في أي سنة ولدت؟،

وربما ابلغ الستين أو السبعين من عمري الآن، التحقت بالمدرسة وحفظت القرآن الكريم وقبل أن أختمه وعندما بلغت سن 13 سنة تزوجت، فتركت الدراسة وتفرغت لبيتي وأولادي، وقبل الزواج لم أرَ زوجي ولم أكن أعرفه إلا في ليلة العرس هكذا جرت العادة في الماضي، وكان الزواج المبكر هو العرف السائد آنذاك، وأنجبت 4 أولاد و5 بنات، كبروا وتخرجوا من الجامعة ويعملون وبعضهم تزوج والآخر لايزال ينتظر القسمة والنصيب ولدي الآن 14 حفيدا وحفيدة

لا خدم ولا بشاكير

كانت المهور المعتادة أيامي مابين 20-30 روبية، ولكن مهري كان غاليا حيث قبض والدي ألفي روبية، وأحضر العريس الزهبة وأقام عرسا كبيرا، وذهبت للعيش معه في بيتهم الكبير مع أمه وأبيه وإخوانه وزوجاتهم، وكانت الحياة بسيطة وحلوة وكان الناس طيبين يرضون بالقليل، وكنا نود الجيران ونتبادل معهم الطعام، وكانت النساء تجتمع سويا لخياطة الكنادير أو لطهي الطعام، فكانت المساعدة هي السمة الغالبية على أهل الفريج كله، وكنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء يخص البيت والأولاد فلا خدم ولا بشاكير ولا غيره.

وكنا نستقبل رمضان بعد تحري الهلال وإعلان رؤيته في السعودية، وفي شهر شعبان نبدأ بتحضير مواد الأطعمة التي سنقوم بطهيها مثل حب الهريس الذي كنا ندقه بأيدينا، والطحين وكنا نطحنه بالرحى.

وكان لكل فريج بوطبيله «المسحراتي» خاص به يمر على البيوت وينادي الناس بأسمائهم ليصحوا من نومهم ليتناولوا السحور وغالبا يكون السحور من العيش والسمك أو اللحم.

وبيوت الفريق مفتوحة طوال شهر رمضان وهناك مجالس للرجال يجتمعون للإفطار فيها، وكذلك أيضا كانت النساء بصحب أولادهن، ولم يكن لدينا بردات لحفظ الطعام لذلك كنا نوزع ما يفيض من أطعمة على الجيران حتى لا يفسد، وقبل العيد تجتمع نساء الفريق لحياكة الملابس للأطفال، والاستعداد بعمل الحلويات.

وفي الماضي كان الناس أكثر صحة من الآن وذلك لأنهم كانوا يسيرون على أقدامهم لمسافات طويلة، فلم نعرف يوما أمراض السمنة وضغط الدم والسكري، فقد عاشت جدتي حتى بلغت سن التسعين سنة ولا عمرها مرضت ولا اشتكت من علة أصابتها.

ولم نكن نشعر بالجو الحار رغم عدم وجود مكيفات في البيوت، فقد اعتادت أجسادنا على الحر والرطوبة، لكن الأمر مختلف الآن فلا نستطيع أن نعيش ساعة واحدة في درجة الحرارة المرتفعة. ولم يكن هناك مستشفيات أو أطباء وكانت المرأة تلد في المنزل بمساعدة أمها وحماتها، كان الزمن بسيطا ولم نكن نبغض عيشتنا بل حمدنا الله على كل شيء أنعم به علينا.

الآن تغيرت الدنيا وأصبح الخير وفيرا وأصبح للمرأة مكانة مهمة في المجتمع بعد أن نالت كافة حقوقها، كما أن العيشة أصبحت أكثر سهولة ويسرا بفضل التكنولوجيا الحديثة عن أيام زمان.

الخوص.. فن وإبداع في عالم السعفيات

تعتبر صناعة الخوص واحدة من الصناعات التقليدية التي تنتشر في الإمارات خاصة في المناطق التي يوجد فيها النخيل، ونظراً لأهمية هذا الفن الشعبي فقد تم إنشاء مراكز لرعاية الحرف والصناعات بشكل عام والحفاظ عليها وإبعاد يد النسيان عنها في هذا الزمن الذي تكتسحه الآلات.

وقد كان الخوص في الماضي من ضروريات الحياة عندما كانت المرأة في الإمارات تؤمن معظم احتياجاتها من منتجات الخوص على اختلاف أشكالها.

والخوص الذي يصنع في الإمارات من النوع الخفيف ويقصد به الخوص ذو التجديلة العريضة التي تشكل حسب نوعية الإنتاج ومن طبقة واحدة من الخوص لا أكثر.

وتسمى صناعة الخوص «بالسعفيات» ويمكن تسميتها باسم «صناعة النخيل» لارتباطها بالمخلة كذلك يصطلح بعض الباحثين على تسميتها بـ «صناعة المنسوجات النباتية» أما المصادر العربية القديمة فتمسي صناعة الخوص باسم حرفة «الخواصة».

ولاتزال صناعة الخوص في هذه المنطقة، وفي مناطق أخرى من الخليج، من الصناعات الواسعة الانتشار حتى عهد قريب، ويتفاوت انتشارها وإتقان صنعها تبعاً للكثافة في زراعة النخيل وفي السكان.

التلي.. شرائط جميلة تزين الأثواب

التلّي هي فن وحرفة نسائية يدوية قديمة في الإمارات، وهو عبارة عن شريط مطرز منسوج من خيوط قطنية مع ذهبية أو فضية وأخرى لامعة وملونة، وتستخدم هذه الأشرطة في تزيين أكمام وياقات الأثواب والسراويل النسائية.

وقد انحصرت ممارسة التلي في البيوت وبين الأقارب والجيران، وتوارثت من الجدات إلى الأمهات إلى البنات، ولم يكن لها سوق أو محلات للترويج، وقد انحصر هذا الفن وأساليبه بين الإمارات وعمان ولم يكن له أي وجود في دول الخليج الأخرى.

ويطلق على أداة نسج التلي «الكاجوجة» وهي عبارة عن وسادة مستندة على قاعدة معدنية على شكل قمعين ملتصقين من الرأس وبها حلقتان على القاعدة العلوية لتثبيت وسادة تلف عليها الخيوط اللامعة للقيام بعملية التطريز.

وعادة ما تستغرق صناعة التلي من شهرين إلى 6 أشهر، تشغل النساء فيهن وقتهن به إلى حين عودة أزواجهن من رحلات الغوص والتجارة التي تستغرق نفس المدة الزمنية تقريباً.

والكاجوجة التي تستخدم في عمل التلي عبارة عن قطعة معدنية توضع عليها موسدة «وسادة بيضاوية» مصنوعة من القطن، وهناك نماذج عديدة من التلي مثل بوفتله، بوفتلتين، بوثلاث، وأنواع تسمى الغولي، بروج، راس بلوى.

إيمان قنديل